ومغاربها في لحظات !
قال : وأقف بك عند مشهد صغير من تلك المشاهد التي تحفل بها هذه المعلّقة . في هذا المشهد يحدّث امرؤ القيس عن نفسه ، حين وقف على أطلال الديار التي كانت يوما ما تضمّ محبوبته فهاج ذلك ذكريّات كثيرة عنده ، كان أشدّها يوم ارتحلت مع قومها وهم يرتحلون ، فوقف كما يقف المرء على ميّت عزيز له ، يقول :
كأنّي غداة البين يوم تحمّلوا * لدى سمرات الحيّ ناقف حنظل . « 1 »
قال : إنّك تجد من كلّ كلمة من هذا البيت مطلعا من مطالع الروعة ، ومدخلًا يدلف بك إلى مشهد من مشاهد الإنسان في صراعه مع عواطفه ، فلا تملك من نفسك إلّا أن تعطف على تلك النفوس التي ذهب بها الوجد وأحرقها الأسى !
قلت : ولعلّ صاحبنا هذا هوناقف حنظل هواجسه ، فجعل يهذو عن أبيات لاعذوبة فيها ولاروعة ولاجمال ، وإنّما هي بيداء قاحلة لا غضاضة فيها ولاطراوة . والمعنى الذي أراده مفهوم عامّ يتصوّره كلّ عامّيّ مسترسل .
* * * وذكر ابن رشيق بشأن المبالغة : أنّ الناس مختلفون فيها ، فمنهم من يؤثرها ويقول بتفضيلها ويراها الغاية القصوى في الجودة ، كما قيل : أشعر الناس من استجيد كذبه « 2 » ومنهم من يعيبها وينكرها ويراها عيبا وهُجنة في الكلام .
قال بعض الحذّاق بنقد الشعر : المبالغة ربما أحالت المعنى ولبّسته على السامع ، فليست لذلك من أحسن الكلام ولاأفخره ، لأنّها لا تقع موقع القبول كما لا يقع الاقتصاد وماقاربه ، لأنّه ينبغي أن يكون من أهمّ أغراض الشاعر والمتكلّم أيضا الإبانة والإفصاح وتقريب المعنى على السامع ، فإنّ العرب إنّما فضّلت بالبيان والفصاحة وحلا منطقها في
هامش
( 1 ) - البين : الفراق . والسّمرة : شجرضخم له شوك . وناقف الحنظل : هو الذي يشقّ الحنظل ليخرج ثمره المرّ .
( 2 ) - نسبه ابن رشيق إلى نابغة بني ذبيان .