تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
الصدور وقبلته النفوس لأساليب حسنة ، وإشارات لطيفة ، تكسبه بيانا وتصوّره في القلوب تصويرا . فمن أحسن المبالغة وأغربها عند الحذّاق : التقصّي ، وهو بلوغ الشاعر أو المتكلّم ما يمكن من وصف الشيء ، كقول عمرو بن الأيهم التغلبيّ :
ونكرم جارنا ما دام فينا * ونتبعه الكرامة حيث كانا
ومن أغربها أيضا ترادف الصفات ، وفي ذلك تهويلٌ مع صحّة لفظ لاتحيل معنىً ، كقول اللّه تعالى :
« أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ » .
« 1 » فأمّا الغلوّ فهو الذي ينكره من ينكر المبالغة . . . ويقع فيه الاختلاف ، من ذلك قول امرئ القيس :
كأنّ المدامَ وصوبَ الغمام * وريحَ الخزامىونشرَ القُطُر يُعَلُّ به بردُ أنيابها * إذا غرّد الطائر المستحر
فوصف فاها بهذه الصفة سحرا عند تغيّر الأفواه بعد النوم ، فكيف تظنّها في أوّل الليل ؟ ! فقد بالغ وأتى بالمستحيل ، فكان كذبا صريحا وهجنة في الكلام . ومثل ذلك قوله يصف نارا :
نظرت إليها والنجوم كأنّها * مصابيح رهبان تُشَبُّ لقُفّال
وفيه من الإغراق مايلحقه بالمستحيل ، يقول : نظرت إلى نار هذه المرأة تشبّ لقفّال ، والنجوم كأنّها مصابيح رهبان . وقد قال :
تنوّرتها من أذرعات وأهلها * بيثرب أدنى دارها نظر عال
هامش
( 1 ) - النور 40 : 24 .