تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
والحميّة دون الجهل والحيرة ، حملهم على حظّهم بالسيف ، فنصب لهم الحرب ونصبوا ، وقتل من عليّهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم ، وهو في ذلك يحتجّ عليهم بالقرآن ، ويدعوهم صباحا ومساءً إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا ، بسورة واحدة ، أو بآيات يسيرة ، فكلّما ازداد تحدّيا لهم بها ، وتقريعا لعجزهم عنها ، تكشّف من نقصهم ما كان مستورا ، وظهر منه ما كان خفيّا ، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجّة قالوا له : أنت تعرف من أخبار الأُمم مالا نعرف ، فلذلك يمكنك مالا يمكننا . قال : فهاتوها مفتريات ، فلم يَرُمْ ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر ، ولو طمع فيه لتكلّفه ، ولو تكلّفه لظهر ذلك ، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنّه قد عارض وقابل وناقض ، فدلّ ذلك العاقل على عجز القوم ، مع كثرة كلامهم ، واستجابة لغتهم ، وسهولة ذلك عليهم ، وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء امّته ، لأنّ سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله ، وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه ، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس ، والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال . وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات ، ولهم القصيد العجيب ، والرجز الفاخر ، والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة ، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور ، ثمّ تحدّى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم ، فمحال - أكرمك اللّه - أن يجتمع هؤلاء كلّهم على الغلط في الأمر الظاهر ، والخطأ المكشوف البيّن مع التقريع بالنقص ، والتوقيف على العجز ، وهم أشدّ الخلق أنفة ، وأكثرهم مفاخرة ، والكلام سيّد عملهم ، وقد احتاجوا إليه ، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض ، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة ، وكما أنّه محال أن يطبقوا ثلاثا وعشرين سنة ( مدّة رسالته صلى الله عليه وآله ) على الغلط في الأمر الجليل المنفعة فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفون ويجدون السبيل إليه ، وهم يبذلون أكثر منه . « 1 »
هامش
( 1 ) - الإتقان ، ج 4 ، ص 5 - 6 . وله كلام تفصيلي آخر في إثبات إعجاز القرآن ، ذكره في رسالته حجج النبوّة ، ص 144 فما بعدها . وقد نقله صاحب الإعجاز في دراسات السابقين ، ص 158 - 162 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 27 | الشيخ محمد هادي معرفة