تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
« لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً »
« 1 » وتارة يقولون :
« ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ »
« 2 » كلّ ذلك عجزا عن الإتيان بمثله ، علمنا قصورهم عنه ، ومحال أن يقال : إنّه عورض فلم ينقل فالنفوس مهتزّة لنقل مادقّ وجلّ . وقد رأينا كتبا كثيرة صنّفت في الطعن على الإسلام قد نقلت وتدوولت . « 3 » * * * ويمتاز القرآن على سائر المعاجز بأنّه يضمّ إلى جانب كونه معجزا جانب كونه كتاب تشريع ، فقد قُرن التشريع بإعجاز ووُحّد بينهما ، فكانت دعوة يرافقها شهادة من ذاتها ، دلّ على ذاته بذاته . قال العلامة ابن‌خلدون : اعلم أنّ أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل على نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله . . فإنّ الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقّاه النبيّ ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه ، والقرآن هو بنفسه الوحي المدّعى ، وهو الخارق المعجز فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي ، فهو أوضح دلالة ، لاتّحاد الدليل والمدلول فيه . قال : وهذا معنى قوله صلى الله عليه وآله : « ما من نبيّ من الأنبياء إلّا وأُوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنّما كان الذي أُوتيتُه وحيا أوحي إليّ ، فأنا أرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » . يشير إلى أنّ المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوّة الدلالة ، وهو كونها نفس الوحي ، كان الصدق لها أكثر لوضوحها ، فكثر المصدّق المؤمن وهو التابع والامّة . « 4 » * * * وقال الجاحظ : بعث اللّه محمّدا صلى الله عليه وآله أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا ، وأحكم ما كانت لغة ، وأشدّ ما كانت عدّة ، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد اللّه وتصديق رسالته ، فدعاهم بالحجّة ، فلمّا قطع العذر وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار ، الهوى
هامش
( 1 ) - الفرقان 32 : 25 . ( 2 ) - يونس 15 : 10 . ( 3 ) - عن مقدّمته على التفسير ، ص 102 - 104 . ( 4 ) - المقدّمة السادسة ، ص 95 .