تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
الثقيل ، فلم يطيقوه . ومن ثمّ تمنّوا لو يُبدَّل إلى قرآن غير هذا ، ومعجزة أخرى لا تكون من قبيل الكلام :
« قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ » .
« 1 » إنّها لم تكن معجزة للعرب فقط ، وإنّما هي معجزة للبشرية عبر الخلود ، لكن أنّى لأُمّة جهلاء أن تلمس تلك الحقيقة وأن تُدرك تلك الواقعيّة سوى أنّها اقترحت عن سفه : أن يفجّر لهم من الأرض ينبوعا ، أو تكون له جنّة من نخيل وعنب ويفجّر الأنهار خلالها تفجيرا ، أو يسقط السماء عليهم كسفا ، أو يأتي باللّه والملائكة قبيلًا ، أو يكون له‌بيت من زخرف ويرقى في السماء ، ولا يؤمنوا لرقيّه حتّى ينزل عليهم كتابا يقرؤونه . . . وقد عجب النبيّ صلى الله عليه وآله من مقترحهم ذلك التافه الساقط ، ممّا يتناسب ومستواهم الجاهلي ، ومن ثمّ رفض اقتراحهم ذاك
« قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا » .
« 2 » أي ليس هذا من شأنكم وإنّما هي حكمة بالغة يعلمها الحكيم الخبير . قال الراغب الإصفهاني : المعجزات التي أتى بها الأنبياء عليهم‌السلام ضربان : حسّي وعقلي : فالحسّي : ما يدرك بالبصر ، كناقة صالح ، وطوفان نوح ، ونار إبراهيم وعصا موسى عليهم‌السلام . والعقلي : ما يدرك بالبصيرة ، كالإخبار عن الغيب تعريضا وتصريحا ، والإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن غير تعلّم . فأمّا الحسي : فيشترك في إدراكه العامّة والخاصّة ، وهو أوقع عند طبقات العامّة ، وآخذ بمجامع قلوبهم ، وأسرع لإدراكهم ، إلّا أنّه لا يكاد يفرق بين ما يكون معجزة في الحقيقة ، وبين ما يكون كهانة أو شعبذة أو سحرا ، أو سببا اتفاقيا ، أو مواطأة ، أو احتيالًا هندسيا ، أو تمويها وافتعالًا إلّا ذو سعة في العلوم التي يعرف بها هذه الأشياء . وأمّا العقلي : فيختصّ بإدراكه كملة الخواصّ من ذي العقول الراجحة ، والأفهام الثاقبة ، والروية المتناهية ، الذين يغنيهم ، إدراك الحق . وجعل تعالى أكثر معجزات بني إسرائيل حسيّا لبلادتهم ، وقلّة بصيرتهم ، وأكثر
هامش
( 1 ) - يونس 15 : 10 . ( 2 ) - الإسراء 93 : 17 .