مدارج السيل ، وطالع التوبة من قبيل ، تنج وما إخالك بناج » . وقوله : « أذلّت العائذة أباها ، وأصاب الوحدة وربّاها ، واللّه بكرمه اجتباها ، أولاها الشرف بماحباها ، أرسل الشمال وصباها ، ولا يخاف عقباها . . . » . « 1 »
لكنّه كلام ليس يشبه من كلام أديب شاعر بليغ . قال الرافعي : وتلك ولا ريب فرية على المعرّي أراده بها عدوّ حاذق ، لأنّ الرجل أبصر بنفسه وبطبقة الكلام الذي يعارضه .
ولأنّه هو الذي أثبت إعجاز القرآن فيما كتبه ردّا على ابن الراوندي فيما نسب إليه .
قال - بشأن إعجاز القرآن - : « وأجمع ملحد ومهتد ، وناكب عن المحجّة ومقتدٍ ، أنّ هذا الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله كتاب بهر بالإعجاز ، ولقى عدوّه بالإرجاز ، ماحُذي على مثال ، ولاأشبه غريب الأمثال ، ما هو من القصيد الموزون ، ولاالرجز من سهل وحزون ، ولاشاكل خطابة العرب ، ولاسجع الكهنة ذويالإرب . . . وأنّ الآية منه أو بعض الآية لتعترض في أفصح كلم يقدر عليه المخلوقون ، فتكون فيه كالشهاب المتلألئ في جنح غسق ، والزهرة البادية في جدوب ذاب نسق ، فتبارك اللّه رب العالمين » . « 2 »
نعم يجوز أن يكون الكلام الآنف إنّما قاله مداعبة لاعن جدّ وعن واقعيّة أرادها . قال الخطيب : إن يكن ذلك من كلام أبي العلاء فلن يكون إلّا عن معابثة أرادها وقعد لها ، وإلّا فإنّ أبا العلاء لا يرضى بنفسه أن تنزله إلى هذا السخف في مقام الجدّ أبدا . وإنّه إذا كان أبو العلاء يتّهم في دينه ، فإنّه لايتّهم في أدبه ، وإنّ ذوقه للكلام وبصره بمواقع الحسن والروعة فيه يحميه من أن يزلّ أو ينزلق فيتصدّى لمعارضة القرآن ويلقي بنفسه في البحر ليكون من المغرقين . وهو الذي دأب على أن يزيّن كلامه وأدبه بما يقبس من كلمات القرآن وآياته ، فهل من يفعل ذلك يتصدّى لمعارضة القرآن ؟ ! المعرّي أعقل من هذا وأعرف الناس بمكانة القرآن ! « 3 »
هامش
( 1 ) - معجم الأدباء لياقوت الحموي ، ج 3 ، ص 415 .
( 2 ) - المصدر ، ج 3 ، ص 110 .
( 3 ) - الإعجاز في دراسات السابقين ، ص 505 .