ذلك فقل له : قد حضرتني مسألة ، أسألك عنها ؟ فإنّه يستدعي ذلك منك ! فقل له : إن أتاك هذا المتكلّم بهذا القرآن ، هل يجوز أن يكون مراده بما تكلّم منه غير المعاني التي قد ظننتها أنّك ذهبت إليها ؟ فإنّه سيقول لك : إنّه من الجائز ، لأنّه رجل يفهم إذا سمع . فإذا أوجب ذلك ، فقل له : فما يدريك لعلّه قد أراد غير الذي ذهبت إليه ، فتكون واضعا لغير معانيه ! فصار الرجل إلى الكندي وتلطّف إلى أن ألقى عليه هذه المسألة . فقال له : أعد عليّ ! فأعاد عليه . فتفكّر في نفسه ورأى ذلك محتملًا في اللّغة وسائغا في النظر . فقال :
أقسمت عليك إلّا أخبرتني من أين لك هذا ؟ فقال : إنّه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك .
فقال : كلّا ، ما مثلك من اهتدى إلى هذا ولا من بلغ هذه المنزلة ! فعرّفني من أين لك هذا ؟
فقال : أمرني به أبومحمّد . فقال : ألآن جئت به ، وما كان ليخرج مثل هذا إلّا من ذلك البيت ! ثمّ إنّه دعى بالنار وأحرق جميع ما كان ألّفه في ذلك . « 1 »
10 - أبوالطيّب المتنبّي
كذلك نسب إلى أبي الطيّب أحمد بن الحسين المتنبّي ( المتوفى قتيلًا سنة 354 ) أنّه ادّعى النبوّة في حدثان أمره ، وكان ذلك في بادية السماوة ( العراق ) وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم . وقيل أنّه تلا على البوادي كلاما زعم أنّه قرآن أُنزل عليه ، منه :
« والنجم السيّار ، والفلك الدوّار ، والليل والنهار ، إنّ الكافر لفي أخطار امض على سنّتك ، واقف أثر من قبلك من المرسلين ، فإنّ اللّه قامع بك زيغ من ألحد في دينه ، وضلّ عن سبيله » .
لكنّه كلام ليس من طبقة شعره ولا في وزن كلامه ، كما لا يخفى على من راج ديوانه .
وإنّما لقّب بالمتنبّي لأنّه فاق الشعراء في شعره وأعجز الأُدباء في أدبه ، فلكأنّه تنبّأ وأتى بالمعجزات ، كما قال ابن جنّي : سمعت أباالطيب يقول : إنّما لقّبت بذلك لمكان قولي :
هامش
( 1 ) - المناقب لابن شهرآشوب ، ج 4 ، ص 424 ؛ وأورده المجلسي في بحار الأنوار ، ج 50 ، ص 311 في تاريخ حياة الإمام العسكري عليه السلام .