مع أبي جهل بن هشام
قال ابن إسحاق : لمّا ذكر اللّه عزّوجلّ
« شَجَرَةُ الزَّقُّومِ »
تخويفا لمشركي قريش ، في قوله :
« أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ . إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ . إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ . طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ . فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ . ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ . ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ . إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ . فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ . وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ . وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ . فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ » .
« 1 »
فقد أهاجت هذه الآيات القارعة من غلواء المشركين وجعلتهم حيارى مندهشين يخافون سوء العاقبة القريبة ! فعمد أبو جهل - على عادته - يحاول تهدئة هياجهم المبرّح ، قائلًا : يا معشر قريش ، أو تدرون ما هي شجرة الزقّوم ، التي يخوّفكم بها محمد ؟ ! إنّها عجوة يثرب بالزبد . « 2 » فواللّه لئن استمكنّا منها ، لنتزقّمنّها تزقّما « 3 » قالها مستهزئا لهياجهم الثائر !
قيل : فأنزل اللّه :
« إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ . يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
- إلى قوله -
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ . طَعامُ الْأَثِيمِ . كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ . كَغَلْيِ الْحَمِيمِ . خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ . ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ . ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ . إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ » .
« 4 »
قال ابن هشام : المهل كلّ شيء أذبته من نحاس أو رصاص وما أشبه . « 5 »
إنّ هذا ليس بكلام ، وإنّما هي صواعق مرعدة وقوارع دامغة ، تترى على أشلاء هامدة وبقايا أجساد متفتّتة ، لا تطيق تحمّلها حتى وإن جهدت في المقاومة والعناد .
« فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ . فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ » .
« 6 »
وبذلك تتجسّد معجزة هذا الكلام وسحره في أُسلوبه هذا الباهر وسلطانه هذا القاهر !
هامش
( 1 ) - الصافّات 62 : 37 - 73 .
( 2 ) - العجوة : ضرب من تمر الحجاز ، فيها لذّة .
( 3 ) - التزقّم : الابتلاع .
( 4 ) - الدخان 40 : 44 - 50 .
( 5 ) - سيرة ابن هشام ، ج 1 ، ص 388 .
( 6 ) - الحاقة 7 : 69 - 8 .