مفاخرات ومساجلات
كانت سَنَةُ التسع سَنَةَ الوفود ، وذلك بعد أن فرغ رسولاللّه صلى الله عليه وآله من غزاة تبوك ، فجعلت وفود العرب تترى عليه مستسلمة منخرطة مع الكفّة العليا التي أخضعت قريش ومحالفيها وأحزاب العرب جميعا .
فمن هؤلاء عطاردبن حاجب التميمي وكان خطيب القوم ، قدم على النبيّ صلى الله عليه وآله في أشراف بني تميم ، منهم الأقرع بن حابس ، والزبرقان بن بدر - وهو شاعر القوم - وعمرو بن الأهتمّ ، والحتات بن يزيد ، وعيينة بنحصن وغيرهم . وكان الأقرع وعُيينة أسلما من قبل وشهدا فتح مكة وحنينا والطائف ، لكنّهما صحبا الوفد .
فلمّا قدم الوفد ودخلوا المسجد ، نادوا رسولاللّه صلى الله عليه وآله من وراء حجراته : أن اخرج إلينا يا محمد ! فآذى ذلك رسولاللّه صلى الله عليه وآله من صياحهم « 1 » فخرج إليهم .
فقالوا : يا محمد ، جئناك نفاخرك ، فأذن لشاعرنا وخطيبنا ! قال : قد أذنت لخطيبكم فليقل ، فقام عطارد بن حاجب ، فقال :
( الحمدللّه الذي له علينا الفضل والمنّ وهو أهله ، الذي جعلنا ملوكا ، ووهب لنا أموالًا عظاما ، نفعل فيها المعروف . وجعلنا أعزّ أهل المشرق وأكثره عددا ، وأيسره عدّة ، فمن مثلنا في الناس ؟ ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم ؟ فمن فاخرنا فليعدّد مثل ماعدّدنا ! وإنّا لونشأ لأكثرنا الكلام ، ولكنّا نحيا من الإكثار فيما أعطانا ، وإنّا نعرف بذلك ! أقول هذا ، لأن تأتوا بمثل قولنا ، وأمرٍ أفضل من أمرنا ! . . . ) . . . ثمّ جلس .
فقال رسولاللّه صلى الله عليه وآله لثابت بن قيس : قم ، فأجب الرجل في خطبته ، فقام ثابت وقال :
( الحمدللّه الذي السماواتُ والأرض خلقه ، قضى فيهنّ أمره ، ووسع كرسيّه علمُه ، ولم يك شيء قطّ إلّا من فضله . ثمّ كان من قدرته أن جعلنا ملوكا ، واصطفى من خير خلقه رسولًا ، أكرمه نسبا ، وأصدقه حديثا ، وأفضله حسبا . فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه ، فكان خيرة اللّه من العالمين . ثمّ دعا الناس إلى الإيمان به ، فآمن برسولاللّه صلى الله عليه وآله
هامش
( 1 ) - قيل : فنزلت «إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» ؛ الحجرات 4 : 49 .