« سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً »
: عقبة شاقّة مرهقة . والصَّعَد : العقبة الصعبة ( يشقّ سلوكها ) ، ويستعار لكلّ شاقّ
« وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً » .
« 1 »
ثمّ يرسم تلك الصورة الغريبة المثيرة للسخريّة ، والرجل يكدّ ذهنه ، ويعصر أعصابه ، ويقبض جبينه ، وتكلح ملامحُه وقسماتُه . . . كلّ ذلك ليجد عيبا يعيب به هذا القرآن ، وليجد قولًا يقوله فيه :
« إِنَّهُ فَكَّرَ ، وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ
!
كَيْفَ قَدَّرَ ؟
ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ! فَقالَ : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ! ! »
لحظة لحظة ترسمها ريشة التعبير القاسم ، كما لو كانت حرابا يفتّت ، بل ومعولًا يدمّر في ضربات متتابعات :
لحظة وهو يفكّر ويدبّر ، ومعها دعوة هي قضاء « فقتل » ! واستنكار كلّه استهزاء « كيف قدّر » ! ثمّ تكرار الدعوة والاستنكار لزيادة الإيحاء بالتكرار .
ولحظة وهو ينظر هكذا وهكذا في جدّ مصطنع متكلّف يُوحى بالسخريّة منه والاستهزاء .
ولحظة وهو يقطب حاجبيه عابسا ، ويقبض ملامح وجهه باسرا ، ليستجمع فكره في هيأة مضحكة !
وبعد هذا المخاض كلّه ! وهذا الحزق كلّه ! لايُفتح عليه بشيء ، سوى تفاهة فاضحة ، فيقول :
« إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ » !
فإذا انتهى عرض هذه اللمحات المخزية لهذا المخلوق المضحك ، عقّب عليها بالوعيد المفزع :
« سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ! وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ ؟ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ »
فَهي تكنس كنسا ، وتبلع بلعا ، وتمحو محوا ، فلا يقف لها شيء ، ولا يبقى وراءها شيء ! !
ثمّ هي تتعرّض للبشر وتلوّح أي تغيّره وتشوّهه من شدّة الحرّ اللافح
« لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ »
هامش
( 1 ) - الجن 17 : 72 .