مع الوعيد والتهديد ، يوحي بأنّه كان يواجه حالة واقعيّة من بعض المشركين تجاه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وتجاه المؤمنين . فجاء الردّ عليها في صورة الردع الشديد ، والتهديد الرعيب .
والتهديد يجيء في صورة مشهد من مشاهد القيامة ، كانت صورة منعكسة عن الحالة الرديئة التي زاولها أعداء الإسلام في هذه الحياة ، فكانت صورة تمثّل للعذاب مادّيّة ونفسيّة ، وصورة للنار حسّيّة ومعنويّة . وقد لوحظ فيها التقابل بين الإجرام وطريقة الجزاء وجوّ العقاب .
فصورة الهمزة واللمزة ، الذي يدأب على الهزء بالناس وعلى لمزهم في أنفسهم وأعراضهم ، وهو يجمع المال فيظنّه كفيلًا بالخلود ! صورة هذا المتعالي الساخر المستقوي بالمال ، تقابلها صورة « المنبوذ » المهمل المتردّى في « الحُطَمة » الّتي تحطم كلّ ما يلقى إليها ، فتحطم كيانه وكبرياءه . وهي
« نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ »
. وإضافتها للّه وتخصيصها هكذا يوحي بأنّها نارٌ فذّة ، غير معهودة . ويخلع عليها رهبة مفزعة رعيبة . وهي « تطّلع » على فؤاده الذي ينبعث منه الهمز واللمز ، وتكمن فيه السخريّة والكبرياء والغرور . وتكملة لصورة هذا المحطّم المنبوذ المهمل ، جاء وصف النار هذه بأنّها مغلقة عليه . ولاينقذه منها أحد ، ولا يسأل عنه فيها أحد ! وهو موثّق فيها إلى عمود كما توثق البهائم بلا احترام !
وفي جرس الألفاظ تشديد : « عدّده ، كلّا . لينبذنّ . تطّلع . ممدّدة » . وفي معاني العبارات توكيد بشتّى أساليب التوكيد :
« لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ . وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ ؟ نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ . . . »
فهذا الإجمال والإبهام ، ثمّ سؤال الاستهوال ، ثمّ الإجابة والبيان . . كلّها من أساليب التوكيد والتضخيم . وفي التعبير تهديد : « ويل . لينبذنّ . الحطمة . نار اللّه الموقدة .
الّتي تطّلع على الأفئدة . إنّها عليهم مؤصدة . في عمد ممدّدة » .
وفي ذلك كلّه لون من التناسق التصويري والشعوري يتّفق مع فعلة « الهمزة واللمزة » !
ولقد كان القرآن يتابع أحداث الدعوة ويقودها في الوقت ذاته . وكان هو السلاح البتّار الصاعق الذي يدمّر كيد الكائدين . ويزلزل قلوب المعاندين . ويثبّت أرواح المؤمنين . وإنّا لنرى في عناية اللّه سبحانه بالردّ على هذه الصورة معنيين كبيرين :