النبي صلى الله عليه وآله إلى البطحاء ، فصعد الجبل ونادى : يا صباحاه ! فاجتمعت إليه قريش . فقال :
أرأيتم إن حدّثتكم أنّ العدوّ مصبحكم أو ممسيكم ، أكنتم مصدقيّ ؟ قالوا : نعم . قال : « فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد » . فقال أبو لهب : ألهذا جمعتنا ؟ تبّا لك . فنزلت في شأنه :
« تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ . . . » .
ولمّا أجمع بنو هاشم بقيادة أبي طالب على حماية رسول اللّه صلى الله عليه وآله خرج أبو لهب على إخوته ، وحالف عليهم قريشا ، وكان معهم في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعة بنيهاشم وتجويعهم كي يُسلموا لهم محمّدا صلى الله عليه وآله .
وكان قد خطب بنتي رسول اللّه صلى الله عليه وآله رقيّة وأُمّكلثوم لولديه قبل البعثة ، فلمّا كانت البعثة أمرهما بتطليقهما حتّى يثقل كاهل رسول اللّه صلى الله عليه وآله بهما !
وهكذا مضى هو وزوجته أُمّجميل يثيرانها حربا شعواء على النبيّ صلى الله عليه وآله وعلى الدعوة ، لا هوادة فيها ولا هدنة . وكان بيت أبيلهب قريبا من بيت رسول اللّه صلى الله عليه وآله فكان الأذى أشدّ !
نزلت سورة المسد لتردّ على هذه الحرب المعلنة من أبيلهب وامرأته ، وتولّى اللّه - سبحانه - عن رسوله صلى الله عليه وآله أمر المعركة :
« تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ . . . »
والتباب : الهلاك والبوار والقطع .
و
« تَبَّتْ »
الأُولى دعاء . و
« تَبَّ »
الثانية تقرير لوقوع هذا الدعاء .
ففي آية قصيرة واحدة في مطلع السورة تصدر الدعوة وتتحقّق ، وتنتهي المعركة ويسدل الستار !
واليدان هنا كناية عن القدرة والبطش ، فإذا قيل : فلان خسرت يده ، أي قعد به الإفلاس فلا يقدر على شيء . وذكر اليدين أبلغ في الدلالة على هلاك الشخص وخسرانه نهائيّا . ومعناه : إنّه لم يكتسب يداه خيرا يعود إليه وخسر مع ذلك هو نفسه .
« ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ »
وكان ذاثروة طائلة وكان مرابيا يكدّ على جمع المال ليدّخره ليوم الحاجة . لكن ماله الذي اكتسبه من حرام لم يف له . فقد ابتلى بقرحة