القالب الجميل ، هي : خلابة رُوحه ، ونسمة رَوْحه . فخامة معنى في أناقة تعبير . وهما مجتمعين وليدان توأمين ، الأمر الذي يعزّ وجوده ، بل ينعدم في كلام غيره ، ولاسيّما مع هذا الإطناب في الكلام والتنوّع في المرام ، ميزة خُصّ بها القرآن الكريم .
وبعد . . . فإليك بعض النقاش مع دلائل القوم في ظاهر المقال :
1 - ليس في كلام العرب مايضاهي القرآن
فإذ كانت روعة القرآن منبثقةً من تلاحمٍ في جمال لفظه مع جلال معناه ، ومن بديع صورته مع كبرياء محتواه ، فأين - يا ترى - يوجد له مثيل في مثل هذه الرفعة وذلك الشموخ ؟ ! نعم سوى شؤون كانت مبتذلة ، ومعان كانت هابطة وساقطة إلى حدّ بعيد ، كانوا يتداولونها ! ولَمُقارَنَةٌ عبرى بين آيات من الذكر الحكيم ، وأروع مقطعات العرب لتكفي شاهدا على ذلك البون الشاسع !
جاء القرآن بسبك غريب على العرب ، وعجيب على الناس أجمعين ، لا هو شعر ولا هو نثر كنثرهم ، نثر في خاصيّة الشعر ، لا هدر سجع ، ولا هذر كهانة ، حلو رشيق ، وخلوب رفيع . إنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، إنّه يعلو وما يعلى .
وإنّه ليحطم ما تحته ! كلام قاله عظيم العرب وخلاصتها الفذّ الفريد الوليد ! . « 1 »
كانوا كلّما حاولوا مضاهاته ، افتضح بهم الأمر ، وفشلوا في نهاية المطاف ، وهكذا
هامش
( 1 ) - نعم نسب إلى الجعد بندرهم ( مؤدّب مروان بنمحمد الملقّب بالحمار ، آخر خلفاء بنياميّة ) القول بأنّ فصاحة القرآن غير معجزة ، وأنّ الناس يقدرون على مثلها ، وعلى أحسن منها . . .
قيل : هو أوّل من صرّح بذلك ، وتجرّأ عليه .
قال الأُستاذ الرافعي : ولم يقل بذلك أحد قبله . إعجاز القرآن ، ص 144 .
وله مقالات أُخرى أيضا أنكروها عليه ، فآل أمره إلى القتل صبرا . ذبحه - كما يذبح الكبش - خالد القسري أمير العراق من قبل هشام بنعبدالملك بأمره .
ذكر ذلك ابنالأثير في حوادث ( سنة 125 ) ، ج 5 ، ص 263 . وراجع : ص 429 أيضا .
وقد جعل الأُستاذ عرفة ذلك دليلًا على قوله بالصرفة . فهو أوّل من ذهب هذا المذهب . . . وهو وهم . . . لأنّه - على فرض صحّهالنسبة - إنّما حاولبذلك إنكار أصل الإعجاز . . كما وهم في علي بنعيسى الرماني أيضا قوله بالصرفة . . . في حين أنّه جعله أحد الوجوه للإعجاز . . . راجع : النكت في إعجاز القرآن ، ص 110 . ( قضية الإعجاز القرآني ، ص 148 - 149 ) .