تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
قادرين على تراكيب أكبر وجمل أطول . وأيضا فإنّ الصحابة الأوّلين ربّما تردّدوا في آية أنّها من القرآن ؟ وكذا بعض السور القصار كالمعوّذتين ، رفض ابن‌مسعود كونهما منه ! فلو كان النظم والبلاغة هما الكافيين للشهادة على القرآنية ، فما وجه هذا التوقّف وذلك الترديد أو الرفض ؟ ! « 1 » وأخيرا قوله تعالى :
« سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ »
« 2 » أي أصرفهم عن إبطالها بالمعارضة . هكذا زعموا . وقد تقدّم الكلام عليها عند توجيه مذهب السيّد في الصرفة .

مناقشة القول بالصرفة

تلك دلائل استند إليها أصحاب القول بالصرفة في ظاهر الأمر . لكنّا نعتقد أنّ السبب الداعي لاختيارهم هذا الرأي أمر آخر وراء هذا الظاهر المريب . إذ ليس فيما استمسكوا به ما يبعث على هذا الاختيار ، ولا سيّما وأصحاب هذا القول هم جهابذة أقحاح وأئمّة نقد وتمحيص ، ليسوا أهل تعسّف فيالرأي أو وهن في العقيدة والاختيار ! ومن ثمّ فإنّها دلائل ظاهريّة ومعاذير شكليّة كان خلفها شيء آخر لعلّه رصين ، لأمر ما جدع قصير أنفه ! نعتقد أنّهم واجهوا أولئك الذين قصروا وجه الإعجاز في جانب لفظ القرآن وحروفه وجودة سبكه وأسلوبه . وهو جانب جدّ خطير ، يعلو به شأن الكلام ويرتفع قدره . إلّا أنّه ليس بمثابة بحيث يخرجه عن حدّ المعتاد غير الممكن على فصحاء الكلام وبلغاء البيان . ففي كلام العرب وغيرهم من أمم ذات لغة راقية مقطعات رائعة ، من بديع النظم ورفيع النثر ممّا يبهر ويعجب ! ونرافقهم في هذا الشأن ، غير أنّ جهة الإعجاز البياني للقرآن - على ما سنذكر - لا تنحصر في جودة سبكه وروعة نظمه ، والوفير من بدائع المحسّنات اللفظية . إنّ هذا كلّه إنّما هو جزء سبب لروعة القرآن الباهرة . وإنّ وراءه سببا آخر أقوى هو كامن وراء هذا
هامش
( 1 ) - ذكرهما التفتازاني في شرح المقاصد ، ج 5 ، ص 28 - 29 . ( 2 ) - الأعراف 146 : 7 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 159 | الشيخ محمد هادي معرفة