فأتى كالماء الجاري اطّرادا وقلّة كلفة ، وبيّن النسب حتّى أخرجه عن مواضع اللبس والشبهة .
ولمّا سمع عبد الملك قول ابنصمّة :
أبأتَ بعبداللّه خير لِداته * ذؤاب بنأسماء بنزيد بن قارب « 1 »
قال - كالمتعجّب - : لولا القافية لبلغ به إلى آدم .
وقال أبو تمام :
عبدالمليك بنصالح بن * علي بنقسيم النبيّ في نسبه
فهذا سهل العنان ، خفيف على اللسان . قال ابنرشيق : وإن كانت الياء في « المليك » ضرورة وتكلّفا .
وقال بعضهم :
من يكن رام حاجة بعُدتْ * عنه وأعيَت عليه كلَّ العياء
فلها أحمد المرَجّى بن يحيى * بنمعاذ بنمسلم بن رجاء
فجاء كلامه نسقا واحدا ، إلّا أنّه قد شغل البيت وفصل بين الكلام بقوله : « المرجّى » .
غير أنّ مجانسة « رجاء » هوّنت خطيئته وغفرت ذنبه .
ثمّ جعل ابنرشيق يعدّد من أنواع الاطّراد وفيها تكلّف من شعراء فصحاء . « 2 »
وزعم أيضا أنّ في حكاية أقوال الآخرين تحوّلًا من الممكن إلى المعجز ! كلام غريب ، ولعلّه حسبه نقلًا بالحرف ! ولا شكّ أنّه نقل بالمعنى ، لاسيّما مع النظر إلى لغاتهم غير العربيّة ، ويدلّك عليه سرد قضية واحدة في مواضع من القرآن في مختلف العبارات ، وإن كانت في كلّ مرّة ذات مزيّة حِكَميّة لاتشترك فيها أختها . وعليه فالكلام كلامه تعالى ، لأنّه من نظمه وتأليفه بالذات . ونسبة الكلام إنّما يتحقّق بالنضد والتأليف . الأمر الذي يكون الإعجاز فيه ، أيّا كان لفظ المنقول عنه .
وأخيرا فإنّ التفاوت في درجة فضيلة البيان ، هي أيضا آية أخرى ، تحلّت بها آيات
هامش
( 1 ) - أباء القاتل بالقتيل : أقاده به . واللدة : الترب ومن تربّى معك . وأصله : ولد بكسر الواو .
( 2 ) - العمدة ، ج 2 ، ص 82 ، رقم 65 .