فذلكة القول بالصرفة
يتلخّص مذهب الصرفة - على ما قاله وجوه أصحاب هذا الرأي - حسبما يلي :
أوّلًا : قولة النظّام ( مبتدع هذه الفكرة ) : أنَّ في نثر العرب ونظمهم مالا يخفى من الفوائد ، يعني : فصاحة بالغة تضاهي فصاحة القرآن . وقد صرّح بذلك الخفاجي والشريف المرتضى . استنادا إلى قوله تعالى - حكاية عن العرب - :
« لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا . . . »
« 1 » يدلّ على أنّ العرب حسبت من نفسها القدرة على الإتيان بمثله سبكا وصياغة . لولا أنّه تعالى صرف هممهم عن النهوض لمقابلته ، وأمسك بعزيمتهم دون القيام بمعارضته .
ثانيا : ربط ابنُحزم مسألة الإعجاز بمسألة الجبر في الاختيار ، وأن لاميزة جوهريّة في القرآن لولا المنع الخارجي . واستند إلى ما يوجد في القرآن من تفاوت في درجة البلاغة ، ومن سرد أسماء زعم أن لاعجيبة في نضدها بما يفوق كلام العرب . كما أنّ فيه حكاية أقوال آخرين لم تكن معجزة ، فلمّا حكاها اللّه تعالى في القرآن أصارها معجزة ومنع من مماثلته وحال دون إمكان النطق بمثلها أبدا . قال : وهذا برهان كافٍ لا يحتاج إلى أزيد منه . . . وحمد اللّه أن هداه إلى هذا البرهان الكافي الشافي . . . لولا أنّ الأُستاذ الرافعي سخر من عقليّته هذه الساذجة ، قائلًا : بل هو فوق الكفاية ، وأكثر من ذلك أنّه لمّا جعله ابنحزم رأيا له أصاره كافيا ولا يحتاج إلى مزيد بيان !
ثالثا : استند السيّد وأصحابه إلى عدم ظهور فرق بيّن بين قصار السور والمختار من كلام العرب ، وإلّا لما احتيج إلى مراجعة الأذكياء من العلماء .
والنظم لايصحّ فيه التزايد والتفاضل . كما لايصحّ معارضة المنثور بالمنظوم . وقاس الخفاجي تلاؤم الكلمات في الجمل بتلاؤم حروف الكلم ، ليكون خارجا عن اختيار المتكلّم .
ودليلًا على ذلك قالوا : لاشكّ أنّ العرب كانوا قادرين على التكلّم بمثل مفردات الجمل وقصار تراكيبها مثل « الحمد للّه » و « ربّ العالمين » وهكذا ، فأجدر بهم أن يكونوا
هامش
( 1 ) - الأنفال 31 : 8 .