تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
على مرّ العصور . الأمر الذي سجّل على محياه الكريم : أنّه لم يسبق له نظير ، ولا يخلفه أبداً بديل ! فإن كان النظّام وأصحابه إنّما أرادوا المضاهاة في مجموع هذه الجوانب والمزايا اللفظيّة والمعنويّة ، فنحن نطالبهم أن يأتوا بشاهد من كلام العرب أو غيرهم من باب المثال ، ولكنّهم أعجز من أن يأتوا بمثله ولو اجتمعوا له . وإن أرادوا المباهاة ببدائع بعض روائع الكلام ، فهذا شيء لا ننكره ، ولكنّه ليس كلّ شأن الإعجاز ، ولا وقع التحدّي بمثله . وقوله تعالى :
« وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ » .
« 1 » قولة قالها النضر بن‌الحارث بن‌كلدة كان من زعماء قريش ومن شياطينهم الأفّاكين ، صاحب ثروة ونفوذ كلمة . كان يختلف إلى الحيرة فيسمع سجع أهلها وكلامهم ، فلمّا قدم مكة سمع كلام النبيّ صلى الله عليه وآله والقرآن ، فزعم أنّه من قبيل ذاك ، فحسب من نفسه القدرة على مماثلته . كما كان قد تعلّم بعضا من أحاديث ملوك فارس ( أساطير رستم وإسفنديار ) فكان يقصّها على جهلاء العرب استحواذا عليهم ليلهيهم عن حديث الإسلام وذكريات القرآن ، زاعما أنّه بذلك يقابل رسول اللّه في كلامه وتلاوة قرآنه . كان إذا جلس رسول اللّه صلى الله عليه وآله مجلسا يدعو الناس إلى اللّه ويتلو عليهم آياته ويحذّر قريشا ممّا أصاب الأُمم الخالية ، خلفه النضر في مجلسه إذا قام عنه ، ليحدّثهم عن حديث رستم وإسفنديار وملوك فارس ، ويقول : واللّه ما محمّد بأحسن حديثا منّي ، وما أحاديثه إلّا
« أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا » .
« 2 » قيل : فنزلت فيه :
« إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ . وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ . وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ . هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ . مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ . أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ . إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ
هامش
( 1 ) - الأنفال 31 : 8 . ( 2 ) - الفرقان 5 : 25 .