تعالى على صدق رسوله محمّد صلى الله عليه وآله بالقرآن ، لأنّ ظهوره معلوم ضرورة ، وتحدّيه العرب والعجم معلوم أيضا ضرورة ، وارتفاع معارضته أيضا بقريب من الضرورة ، فإنّ ذلك التعذّر معلوم بأدنى نظر ، لأنّه لولا التعذّر لعورض ، فإمّا أن يكون القرآن من فعله تعالى على سبيل التصديق له ، فيكون هو العَلَم المعجز ، أو يكون تعالى صرف القوم عن معارضته ، فيكون الصرف هو العَلَم الدالّ على النبوّة ، وقد بيّنا في كتاب « الصرف » الصحيح من ذلك وبسطناه » . « 1 »
وقد أوضح السيّد من مذهبه في مختلف كتبه ورسائله ، التي تعرّض فيها لمسألة الإعجاز ، منها ما جاء في كتابه « الذخيرة » في علم الكلام ، قال فيه :
الذي نذهب إليه أنّ اللّه تعالى صرف العرب عن أن يأتوا من الكلام بما يساوي أو يضاهي القرآن في فصاحته وطريقته ( أي سبكه في البيان ) ونظمه ، بأن سَلَب - كلَّ من رام المعارضة - العلوم التي يتأتّى ذلك بها ، فإنّ العلوم التي بها يمكن ذلك ضروريّة من فعله تعالى فينا بمجرى العادة .
وهذه الجملة إنّما تنكشف بأن يدلّ على أنّ التحدّي وقع بالفصاحة بالطريقة في النظم . وأنّهم لوعارضوه بشعر منظوم لم يكونوا فاعلين ما دعوا إليه . وأن يدلّ على اختصاص القرآن بطريقةٍ في النظم مخالفة لنظوم كلّ كلامهم ، وعلى أنّ القوم لو لم يُصرفوا لعارضوا .
والذي يدلّ على الأوّل أنّه صلى الله عليه وآله أطلق التحدّي وأرسله ، فيجب أن يكون إنّما أطلق تعويلًا على عادة القوم في تحدّي بعضهم بعضا ، فإنّها جرت باعتبار الفصاحة وطريقة النظم . ولهذا ما كان يتحدّى الخطيبُ الشاعرَ ، ولا الشاعرُ الخطيبَ ، وأنّهم ما كانوا يرتضون في معارضة الشعر بمثله إلّا بالمساواة في عروضه وقافيته وحركة قافيته . ولو شكّ القوم في مراده بالتحدّي لاستفهموه ، وما رأيناهم فعلوا ، لأنّهم فهموا أنّه صلى الله عليه وآله جرى فيه على عاداتهم .
هامش
( 1 ) - جمل العلم والعمل للسيد المرتضى ط نجف 1387 ، ص 41 وطبعت مع المجموعة الثالثة من رسائله راجع : ص 19 .