القرآن أعراض . . . « 1 »
ونحن نعذرهم في هذا التعليل العليل ، بعد حداثة عهدهم بتراجم فلسفة اليونان ، وعدم التشخيص لديهم بين الأعراض والجواهر حسب ما اصطلح عليه أهل الفنّ الاختصاصيّون . إذ لا يخفى الفرق البائن بين باب الدلالات ومسألة السنخيّة المعتبرة في باب العلل والمعاليل . والكلام مهما كان فهو عرض حادث والمدلول قد يكون حقيقة جوهريّة وأخرى غيرها من الأمور الاعتباريّة المحضة أو الانتزاعيّة ، ولا ضرورة تدعو إلى لزوم التسانخ بين الدال والمدلول إطلاقا .
مقالة ابنحزم الظاهري
وأمّا المذهب الذي سلكه أبو محمد علي بنأحمد بنحزم الأندلسي ( ت 456 ) فلا يعدو مذهب الجبر وسلب الاختيار عن العباد . فإنّه شطب على الرأي القائل : « إنّ القسط الأوفر من إعجاز القرآن كامن وراء بلاغته الخارقة . . . » وحكم عليه حكمه القاسي : أنّه من شغب الاختيار . . . زاعما أنّه لمجرّد صرف الناس عن معارضته ومنعهم منها منع قهر وجبر ، قال : فهذا هو دليل الإعجاز ، وفي ذلك كفاية !
قال : إنّ القائلين بأنّ وجه الإعجاز في بلاغته ، قد شغبوا في هذا الاختيار ، لأنّهم ذكروا لذلك أمثال آية القصاص ، فيقال لهم : فلم خصصتم بالذكر هذه الآيات دون غيرها ، وهل هذا منكم إلّا إيهام لأهل الجهل أنّ من القرآن معجزا وغير معجز ؟ قال : ثمّ نقول لهم :
قول اللّه تعالى :
« وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً »
« 2 » أمعجز هو على شروطكم في كونه في أعلى درج البلاغة أم ليس معجزا ؟ فإن قالوا : ليس معجزا ، كفروا . وإن قالوا : إنّه معجز صدقوا ، وسئلوا : هل على شروطكم في أعلى درج البلاغة ؟ فإن قالوا : نعم ، كابروا ، وكفوا مؤونتهم ، لأنّها أسماء رجال فقط ليس على شروطهم في البلاغة . وأيضا فلو كان إعجاز
هامش
( 1 ) - مقالات الإسلاميّين ، ج 1 ، ص 296 .
( 2 ) - النساء 163 : 4 .