القرآن لأنّه في أعلى درج البلاغة لكان بمنزلة كلام الحسن وسهل بنهارون والجاحظ وشعر امرئ القيس ، ومعاذ اللّه من هذا ، لأنّ كلّ ما يسبق في طبقته لم يؤمن أن يأتي من يماثله ضرورة .
وأخيرا قال : فلابدّ لهم من هذا الخطة ، أو من المصير إلى قولنا : إنّ اللّه تعالى منع من معارضته فقط - إلى أن يقول - فصحّ أنّه ليس من نوع بلاغة الناس أصلًا ، وأنّ اللّه تعالى منع الخلق من مثله ، وكساه الإعجاز ، وسلبه جميع كلام الخلق . . .
قال : وأيضا فإنّ في القرآن كثيرا من حكاية أقوال الآخرين . « 1 » فكان هذا كلّه إذ قاله غير اللّه عزّوجلّ غير معجز بلا خلاف ، لكن لمّا قاله اللّه تعالى وجعله كلاما له أصاره معجزا ومنع من مماثلته . قال : وهذا برهان كاف لا يحتاج إلى غيره ، والحمد للّه . « 2 »
وقال - أيضا - : إنّ كلّ كلمة قائمة المعنى يعلم إذا تليت أنّها من القرآن ، فإنّها معجزة لا يقدر أحد على المجيء بمثلها أبدا ، لأنّ اللّه تعالى حال بين الناس وبين ذلك ، كمن قال :
إنّ آية النبوّة أنّ اللّه تعالى يطلقني على المشي في هذه الطريق الواضحة ، ثمّ لا يمشي فيها أحد غيري أبدا ، أو مدّة يسمّيها . فهذا أعظم ما يكون من الآيات . . . والذي عجز عنه أهل الأرض مذ أربعمائة عام وأربعين عاما ( 440 ) هي سنة تأليفه للكتاب . « 3 »
* * * وقد سخر الرافعي من كلام ابنحزم هذا ، قائلًا : لم نر أحدا فسّر هذه الكلمة ( الصرفة ) كابن حزم الظاهري ، وذلك قوله : « لم يقل أحد أنّ كلام غير اللّه معجز ، لكن لمّا قاله اللّه تعالى وجعله كلاما له ، أصاره معجزا ومنع من مماثلته . . . قال : وهذا برهان كاف لا يحتاج إلى غيره » نقول : بل هو فوق الكفاية ، وأكثر من أن يكون كافيا أيضا لأنّه لمّا قاله ابنحزم وجعله رأيا له ، أصاره كافيا لا يحتاج إلى غيره . . . ! « 4 »
هامش
( 1 ) - كقوله تعالى : «فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ» المدّثّر 24 : 74 - 25 . وقوله : «وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» - إلى آخر الآيات - الإسراء 90 : 17 .
( 2 ) - الفصل في الملل والنحل ، ج 3 ، ص 17 - 19 .
( 3 ) - المصدر ، ص 21 .
( 4 ) - إعجاز القرآن للرافعي ، ص 146 .