قلت : هو كذلك ما دام الرجل متزمّتا هذا التزمّت المفضوح ، إذ لم يكتف بالتزامه بمبدأ الجبر حتّى سلب القرآن كلّ مميّزاته الجوهريّة وخلعه من جميع صفاته ونعوته الكريمة ! يا له من تقشّب وجمود !
وقد تحمّس الشيخ علي محمد حسن العماري ( مبعوث الأزهر في السودان ) لدلائل ابن حزم فظنّها متوفّرة وكثيرة لم يهتد إليها الرافعي أو لخّصها تلخيصا هو أقرب إلى المسخ .
قال : نحن لا نقرّ الرافعي على هذا المسلك الذي سلكه ، وعلى هذا التناول الذي تناول به كلام ابن حزم فإن الرجل أطال الكلام في تأييد مذهبه ، ولو كان الرافعي منصفا لتناول أقوى ما في كلام ابن حزم ولم يأخذ بعض كلامه ويترك بعضا ، على أنّه أخذ لا يقارع الحجّة بالحجّة ، ولا يبسط المسألة كما ذكرها صاحبها ، وإنّما يلخّصها تلخيصا هو أقرب إلى المسخ . . . « 1 »
ونحن قد سبرنا دلائل ابن حزم كلّها فوجدناها سرابا يحسبه الظمآن ماء ! ! وسوف نضع اليد على أهمّ دلائله ليعلم الباحث مدى شأوها في عالم الاعتبار !
كلام ابن سنان الخفاجي
هو الأمير أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن سنان الشاعر الشيعي مفلّق صاحب صيت وسوط له مواقف مشهودة « 2 » ( ت 466 مسموما ) . له كلام مع أبي الحسن الرمّاني ( ت 386 )
هامش
( 1 ) - مجلة رسالة الإسلام ، سنة 4 ، عدد 1 ، ص 70 .
( 2 ) - من شعره دفاعا عن ولاء آل بيت الرسول صلّى اللّه عليه واله :يا امّة كفرت وفي أفواهها * القرآن فيه ضلالها ورشادها
أعلى المنابر تعلنون بسبّه * وبسيفه نصبت لكم أعوادها
تلك الخلائق بينكم بدريّة * قتل الحسين وما خبت أحقادهاالخلائق : جمع خليقة بمعنى سجيّة ومن ظريف تنبهه ما يحكى أنّه كان قد تحصّن بقرية « اعزاز » من أعمال حلب ، وكان بينه وبين أبي نصر محمد بن النحّاس الوزير المحمود بن صالح مودّة مؤكّدة ، وكان محمود يريد القبض عليه فأمر أبا نصر أن يكتب إلى الخفاجي كتابا يستعطفه ويؤنسه ، قال : إنّه لا يؤمن إلّا إليك ولا يثق إلّا بك . فكتب بمحضره وأضاف في آخره « إنّ شاء اللّه » لكنّه شدّد النون . . . فلمّا أن قرأه الخفاجي خرج قاصدا حلب ، فلمّا كان في بعض الطريق أعاد النظر في الكتاب ، فلمّا رأى التشديد على النون أمسك بعنان فرسه ، وفكّر في نفسه أنّ ابن النحّاس لا يخطأ في كتابته ، فلم يضع التشديد هنا عبثا ، فلاح له أنّه أراد قوله تعالى :« إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ »! العنكبوت 28 : 20 .
فقفل راجعا إلى حصته ، وكتب في الجواب : أنا الخادم المعترف بإنعام . . . فكسر الألف من « أنا » وفتح النون وشدّدها .
فلمّا وقف عليه أبو نصر سرّ وعلم أنّه قصد به قوله تعالى :« إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها »! المائدة : 5 : 24 . والخفاجي نسبة إلى خفاجةبالفتح - حيّ من بني عامر .