رفع من أوهام العرب وصرف نفوسهم عن المعارضة لقرآنه بعد أن تحدّاهم الرسول بنُظُمه » . وقد يكون استرسل بهذه العبارة ، لما في نفسه من أثر أستاذه ، وهو شيء ينزل على حكم الملابسة ، ويعتري أكثر الناس إلّا من تنبّه له أو نُبّه عليه ، أو هو يكون ناقلًا ، ولا ندري . « 1 »
قال الجاحظ في تتمّة كلامه : ولذلك لم نجد أحدا طمع فيه ، ولو طمع لتكلّفه ، ولو تكلّف بعضهم ذلك فجاء بأمر فيه أدنى شبهة لعظمت القصة على الأعراب وشبه الأعراب . . . فقد رأيت أصحاب مسيلمة إنّما تعلّقوا بما ألّف لهم كلاما يعلم كلّ من سمعه أنّه عدى على القرآن فسلبه وأخذ بعضه وتعاطى أن يقارنه ، فكان للّه ذلك التدبير الذي لايبلغه العباد ، ولو اجتمعوا له . . . « 2 »
وقد ذهب إلى هذا الرأي جماعة من أعلام السنّة من الأشاعرة وأهل الاعتزال ، منهم أبو إسحاق إبراهيم بنمحمد الإسفراييني الفقيه الشافعي ، « 3 » وكان متكلّما أصوليا من أصحاب أبيالحسن الأشعري ( ت 418 ) . وقد ذكر الشهرستاني عند الكلام عن الأشاعرة :
أنّ من أصحاب أبيالحسن الأشعري من اعتقد أنّ الإعجاز في القرآن من جهة صرف الدواعي ، وهو المنع عن المعارضة ، ومن جهة الإخبار عن الغيب . « 4 » وقد تعرّض كلّ من ذكر النظّام قوله بالصرفة ، مواكبة الإسفراييني له في هذا الرأي .
وهكذا تبع النظّام كثير من أصحابه ، منهم أبو إسحاق النصيبي ، وعباد بنسليمان الصيمري وهشام بنعمرو الفوطي ، وغيرهم . . .
قال أبو الحسن الأشعري : وكان الفوطي والصيمري ينكران كون القرآن معجزا ، لكونه من الأعراض ، ويقولان : لا نقول أنّ شيئا من الأعراض يدلّ على اللّه سبحانه ، ولا نقول أيضا أنّ عَرَضا يدلّ على نبوّة النبيّ صلى الله عليه وآله . قال : ولم يجعلا القرآن عَلَما للنبي صلى الله عليه وآله وزعما أنّ
هامش
( 1 ) - إعجاز القرآن للرافعي ، ص 147 .
( 2 ) - كتاب الحيوان ، ج 4 ، ص 31 ؛ والإعجاز في دراسات السابقين ، ص 368 .
( 3 ) - قال الشريف الجرجاني : وممّن ذهب إلى هذا الرأي من أهل السنّة هو الأُستاد أبو إسحاق الإسفراييني . شرح المواقف ، ج 8 ، ص 246 .
( 4 ) - الملل والنحل ، ج 1 ، ص 103 .