البلاد لإيناع تلك الثمرة المنضحة ، وتربية أساطين تلك الصنعة الرائجة . . . ولمّا دعاهم إلى تلك الدعوة المقدّسة ، طغوا وبغوا عليه ، وشقّ عليهم ذلك حتّى تخاوصوا بحماليق الحنق إليه . « 1 » وما تحدّاهم إلّا بالمألوف لهم ، المأخوذ عنهم والمسوق إليهم ، ولم يزل يلحّ عليهم بأنحاء شتّى وعبارات متفاوتة ، حتى اعترف بالعجز عريفهم ، وتلدّد تليدهم وطريفهم ، وصقع مصاقعهم ، « 2 » وعاد لبيدهم بليدا ، وشيبتهم وليدا ، وقائمهم حصيدا ، وعالمهم أبا جهل ، وسهيلهم على السهل ، وعتبتهم أعتاهم ، وأبولهبهم أخمدهم وأخزاهم ، وعبد شمسهم آفلا ، ونابغتهم خاملا ، وحيّ أخطبهم ميّتا ، وهشامهم مخزوما ، ومخزومهم مهشوما ، وسراتهم أسارى وكبّارهم من الصّغار صغارا . . .
ثمّ قنع منهم بعشر سور من سوره المنزلة ، ثمّ تنزّل معهم - وهو الرفيع - إلى أدنى منزلة ، فقنع منهم بأن يأتوا بعشر آيات ، رضي منهم بسورة واحدة . . . فالتجأوا إلى مفاوضة الحتوف ، عن معارضة الحروف ، وعقلوا الألسنة والعقول ، واعتقلوا الأسنّة والنصول .
ورضوا بكلم الجراح ، عن الكلم الفصاح . وفرّوا إلى سعة آجالهم من ضيق مجالهم . . . فما انجلت غبرة الضلال عن جبهة الحقّ إلّا وهم بأسرهم أسرى أو قتلى ، إلى أن عادت كلمة اللّه هي العليا ، وكلمة أعدائه هي السفلى . . .
وهكذا ماتصدّى في الأزمنة المتأخّرة لمعارضته ، إلّا مأفون الرأي ، مايق العقل . « 3 » ومن الأعاجيب أنّك ترى الرجل في جميع المقامات فارس يليلها « 4 » حتّى إذا تصدّى - من ضعف في دينه ، أو خور في عود يقينه ، أو زندقة في هواه ، أو وصم عهار في عصاه - إلى مقاومة ذلك المقام ومعارضة معجز ذلك النظام ، أفحم وتبلّد ، وأبكم وتلدّد « 5 » هذا مسيلمة وسجاح من الأوّلين . . . والمتنبّي والمعرّي وأضرابهم من الآخرين . . . كلّ يزعم أنّه أتى بما
هامش
( 1 ) - التخاوص : النظر الشزر . والحملقة : التحديق والنظر بشدّة .
( 2 ) - التلدّد : التحيّر . التليّد : الأصيل . والطريف : الحديث الشرف . صقع : صرع . والمصقع البليغ في خطابته .
( 3 ) - أفن : ضعف رأيه فهو أفين ومأفون . وماق الرجل : حمق في غباوة .
( 4 ) - يليل : اسم جبل معروف بالبادية ، وموضع قرب وادي الصفراء من أعمال المدينة . وإليه نسب عمرو بنعبد ود : فارس يليل .
( 5 ) - تلدّد : تلجلج وأفحم عن التكلّم .