تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
إعجاز القرآن ، وقصور الإنس والجنّ عن الإتيان بمثله ، وبقائه إلى اليوم معجزة خالدة تتلألأ في نورها الإلهي ، وتتألّق في جمالها القدسيّ . ذلك لمّا كان القرآن روح من أمر اللّه ، فلا جرم كانت له روحانيّة خاصّة ، هي عندنا جهة إعجازه والسبب الأكبر لانقطاع الإنس والجنّ عن محاكاة أقصر سورة من سوره ، وارتعاد فرائص الصناديد والجبابرة عند سماعه ، وناهيك بروحانيّة الكلام الإلهي ! نعم أنّ جهة إعجاز هذا الكتاب الإلهي الأقدس هي تلك الروحانيّة العالية الّتي قلبت شكل العالم ، وأكسبت تلك الطائفة القليلة العدد خلافة اللّه في أرضه ، وأرغمت لهم معاطس الجبابرة والقساورة ، ووطأت لهم عروش الأكاسرة والقياصرة . . .
« يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ » .
« 1 » لا مشاحة في أنّ القرآن فصيح قد أخرس بفصاحته فرسان البلاغة وقادة الخطابة وسادات القوافي وملوك البيان . وهو حكيم بهر سماسرة الحكمة والفلسفة وأدهش أساطين القانون والشريعة وحيّر أراكين النظام والدستور . وهو حقّ ألزم كلّ عال الحجة ودلّ كلّ باحث على الحجّة ولم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها . وهو هدىً ورحمة ونور وشفاء لما في الصدور . كلّ هذه صفات جليلة تؤثر على العقل والشعور والعواطف والميول ، فتتحكّم فيها تحكّم الملك في ملكه ولكنّه فوق ذلك كلّه ( روح من أمر اللّه ) تصل من روح الإنسان إلى حيث لاتصل إليه أشعة البلاغة والبيان ، ولا سيالات الحكمة والعرفان ، وتسري من صميم معناه إلى حيث لا يحوم حوله فكر ولا خاطر ، ولا يتخيّله خيال شاعر . هذه الروحانيّة تنفذ إلى سرّ سريرة الإنسان وسويداء ضميره ، وتستولي منها على أصل حياته ، ومهبّ عواطفه وإحساساته ، وتخلقه خلقا جديدا وتصوّره بصورة لايتخيّلها ولو قيلت له لما أدركها . ألا ترى كيف فعلت بأولئك العرب الذين لبثوا الوفا من السنين على حالة واحدة لا يتحوّلون عنها ولا يسأمون منها ، فنفختهم بروح عالية قاموا
هامش
( 1 ) - غافر 15 : 40 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 128 | الشيخ محمد هادي معرفة