تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقّه ، وجاءت متمكّنة في موضعها ، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفّة والروعة . من ذلك لفظ « النذر » جمع نذير ، فإنّ الضمّة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا فضلًا عن جسأة هذا الحرف ونبوّه في اللسان ، وخاصّة إذا جاءت فاصلة للكلام . فكلّ ذلك ممّا يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه ، ولكنّه جاء في القرآن على العكس وانتفى من طبيعته في قوله تعالى :
« وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ » .
« 1 » فتأمّل هذا التركيب وأنعم ثمّ أنعم على تأمّله ، وتذوّق مواقع الحروف واجرِ حركاتها في حسّ السمع وتأمّل مواضع القلقلة في دال « لقد » ، وفي الطاء من « بطشتنا » ، وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو « تماروا » ، مع الفصل بالمدّ ، ثمّ أعجب لهذه الغنّة التي سبقت الطاء في نون « أنذرهم » وفي ميمها ، وللغنّة الأُخرى التي سبقت الذال في « النّذر » . وما من حرف أو حركة في الآية إلّا وأنت مصيب من كلّ ذلك عجبا في موقعه والقصد به . قال : إنّما تلك طريقةٌ في النظم قد انفرد به القرآن ، وليس من بليغ يعرف هذا الباب إلّا وهو يتحاشى أن يلمّ به من تلك الجهة أو يجعل طريقه عليها ، فإن اتفق له شيء منه كان إلهاما ووحيا ، لاتقتحم عليه الصناعة ولا يتيسّر له الطبع بالفكر والنظر . . . فلا يتهيّأ لأحد من البلغاء في عصور العربيّة كلّها من معارض الكلام وألفاظه ، ما يتصرّف به هذا التصرّف في طائفة أو طوائف من كلامه ، على أن يضرب بلسانه ضربا موسيقيا ، وينظم نظما مطّردا . فهذا إن أمكن أن يكون في كلام ذي ألفاظ ، فليس يستقيم في ألفاظ ذات معان ، فهو لغو من إحدى الجهتين . ولو أنّ ذلك ممكن لقد كان اتفق في عصر خلا من ثلاثة عشر قرنا ، ونحن اليوم في القرن الرابع عشر من تاريخ تلك المعجزة . . . . ثمّ أخذ في ضرب أمثلة من ألفاظ وكلمات كانت غريبة وثقيلة ، لكنّها جاءت في القرآن في مواقعها الخاصّة أليفة وخفيفة في أبدع ما يكون وأروع ما يتصوّر ،
« كِتابٌ
هامش
( 1 ) - القمر 36 : 54 .