تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » .
« 1 » وسنذكر تفاصيلها في مجاله الآتي إن شاء اللّه . * * *

[ 5 - محمد فريد وجدي ونظرته في التأثير الروحي للقرآن * * * ]

5 - وللأُستاذ محمد فريد وجدي كلام في وجه إعجاز القرآن ، يشبه بعض الشيء من كلام الرافعي فيما نقلناه آنفا « فإنّ هذا القرآن هو ضمير الحياة ، وهو من اللغة كالروح الإلهية التي تستقرّ في مواهب الإنسان فتضمن لآثاره الخلود . . . » « 2 » فقد أخذ الأُستاذ وجدي هذا المعنى وشرحه شرحا ، قال : حصر المتكلّمون في إعجاز القرآن كلّ عنايتهم في بيان ذلك الإعجاز من جهة بلاغته ، وإنّنا وإن كنّا نعتقد أنّ القرآن قد بلغ الغاية من هذه الوجهة ، إلّا أنّنا نرى أنّها ليست هي الناحية الوحيدة لإعجازه ، بل ولا هي أكثر نواحي إعجازه سلطانا على النفس ، فإنّ للبلاغة على الشعور الإنساني تسلّطا محدودا لايتعدّى حدّ الإعجاب بالكلام والإقبال عليه ، ثمّ يأخذ هذا الإعجاب والإقبال في الضعف شيئا فشيئا بتكرار سماعه حتّى تستأنس به النفس فلا يعود يحدث فيها ما كان يحدثه في مبدأ توارده عليها . وليس هذا شأن القرآن ، فإنّه قد ثبت أنّ تكرار تلاوته تزيده تأثيرا . ولكنّه معجز لتسلّطه على النفس والمدارك ، فوجب على الناظر في ذلك أن يبحث عن وجه إعجازه في مجال آخر يكفي لتعليل ذلك السلطان البعيد المدى الذي كان ولا يزال للقرآن على عقول الآخذين به ! العلّة في نظرنا واضحة لا تحتاج لكثير تأمّل ، وهي أنّ القرآن روح من أمر اللّه ،
« وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا » ،
« 3 » فهو يؤثّر بهذا الاعتبار تأثير الروح في الأجساد فيحرّكها ويتسلّط على أهوائها . وأمّا تأثير الكلام في الشعور فلا يتعدّى سلطانه حدّ إطرابها والحصول على إعجابها . فقوله تعالى :
« وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا »
يكفي وحده في إرشادنا إلى جهة
هامش
( 1 ) - هود 1 : 11 . راجع : إعجاز القرآن للرافعي ، ص 209 - 299 . ( 2 ) - إعجاز القرآن للرافعي ، ص 209 . ( 3 ) - الشورى 52 : 42 .