إنّما هو سبب في تنويع الصوت ، بما يخرجه فيه مدّا أو غنّةً أو لينا أو شدّة ، وبما يهيّئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير تناسب ما في النفس من أصولها . ثمّ هو يجعل الصوت إلى الإيجاز والاجتماع ، أو الإطناب والبسط ، بمقدار ما يكسبه من الحدوة والارتفاع والاهتزاز وبُعد المدى ونحوها ، ممّا هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى .
. . . وهذه هي طريقة الاستهواء الصوتي في اللغة ، وأثرها طبيعي في كلّ نفس ، فهي تشبه في القرآن الكريم أن تكون صوت إعجازه الذي يخاطب به كلّ نفس تفهمه ، وكلّ نفس لاتفهمه ، ثمّ لا يجد من النفوس على أيّ حال إلّا الإقرار والاستجابة . . . وقد انفرد بهذا الوجه للعجز ، فتألّفت كلماته من حروف لو سقط واحد منها أو ابدل بغيره أو اقحم معه حرف آخر ، لكان ذلك خللًا بيّنا ، أو ضعفا ظاهرا في نسق الوزن وجرس النغمة ، وفي حسّ السمع وذوق اللسان ، وفي انسجام العبارة وبراعة المخرج وتساند الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض ، ولرأيت لذلك هجنة في السمع . . .
. . . وممّا انفرد به القرآن على سائر الكلام ، أنّه لا يخلق على كثرة الردّ وطول التكرار ، ولا تملّ منه الإعادة ، وكلّما أخذت فيه على وجهه ولم تخل بأدائه ، رأيته غضّا طريّا وجديدا مونقا وصادفت من نفسك نشاطا مستأنفا وحسّا موفورا . . . وهذا لعَمَرُ اللّه أمر يوسّع فكر العاقل ويملأ صدر المفكّر ، ولا نرى جهة تعليله ولا نصحّح منه تفسيرا إلّا ما قدّمنا من إعجاز النظم بخصائصه الموسيقيّة ، وتساوق هذه الحروف على أصول مضبوطة من بلاغة النغم ، بالهمس والجهر والقلقلة والصفير والمدّ والغنّة . . . على اختلاف أنحائها بسطا وإيجازا وابتداءً وردّا وإفرادا وتكريرا . . .
. . . والكلمة في حقيقة وصفها إنّما هي صوت للنفس ، لأنّها تلبّس قطعة من المعنى فتختصّ به على مناسبةٍ لحظتها النفس فيها حين فصّلت تركيب الكلام .
وصوت النفس أوّل الأصوات الثلاثة التي لابدّ منها في تركيب النسق البليغ ، حتّى يستجمع الكلام بها أسباب الاتّصال بين الألفاظ ومعانيها ، وبين هذه المعاني وصورها
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 124
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص١٢٤