في ذلك حرفا واحدا ، ويعلو القرآن على الموسيقى ، أنّه مع هذه الخاصّيّة العجيبة ليس من الموسيقى ) - والعرب لم يفتهم هذا المعنى ، وأنَّه أمر لاقبل لهم به ، وكان ذلك أبين في عجزهم ، حتّى أنّ من عارضه منهم ، كمسيلمة ، جنح في خرافاته إلى ماحسبه نظما موسيقيا أو بابا منه وطوى عمّا وراء ذلك من التصرّف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني ، كأنّه فطن إلى أنّ الصدمة الأُولى للنفس العربيّة ، وإنّما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها ، وليس يتّفق ذلك في شيء من كلام العرب إلّا أن يكون وزنا من الشعر أو السجع .
. . . وأنت تتبيّن ذلك إذا أنشأت ترتّل قطعة من نثر فصحاء العرب أو غيرهم على طريقة التلاوة في القرآن ، ممّا تراعى فيه أحكام القراءة وطرق الأداء ، فإنّك لابدّ ظاهر بنفسك على النقص في كلام البلغاء وانحطاطه في ذلك عن مرتبة القرآن بل ترى كأنّك بهذا التحسين قد نكّرت الكلام وغيّرته ، فأخرجته من صفة الفصاحة ، وجرّدته من زينة الأُسلوب . . . لأنّك تزنه على أوزان لم يتّسق عليها . .
. . . وحسبك بهذا اعتبارا في إعجاز النظم الموسيقي في القرآن ، وأنّه ممّا لايتعلّق به أحد ، ولا يتّفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلّا فيه ، لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعيّة في الهمس والجهر ، والشدّة والرخاوة ، والتفخيم والترقيق ، والتفشّي والتكرير ، وغير ذلك ممّا جاء في صفات الحروف .
. . . ولقد كان هذا النظم عينه هو الذي صفّى طباع البلغاء بعد الإسلام ، وتولّى تربية الذوق الموسيقي اللغوي فيهم ، حتّى كان لهم من محاسن التركيب في أساليبهم - ممّا يرجع إلى تساوق النظم واستواء التأليف - مالم يكن مثله للعرب من قبلهم ، وحتّى خرجوا عن طرق العرب في السجع والترسّل ، على جفاء كان فيهما ، إلى سجع وترسّل تتعرّف في نظمهما آثار الوزن والتلحين . . .
وليس يخفى أنّ مادّة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي ، وأنّ هذا الانفعال بطبيعته
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 123
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص١٢٣