خاتم النبيين
حاول أعداء الإسلام إلصاق تهم وافتراءات بساحة قدس رسولاللّه صلى الله عليه وآله والتمسوا لذلك شبهات واهية وفي نفس الوقت مفضوحة لايتلوّث بها ذيله الطاهر أبديّا . منها أُسطورة « الغرانيق » التي بحثنا عنها في الجزء الأوّل وذكرنا أوجه تفنيدها بتفصيل . وبقيت آيتان كانوا تشبّثوا بهما دليلا على الأُسطورة ، لم نتكلّم عنهما هناك بتفصيل :
الأولى : قوله تعالى :
« وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ ، وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ، وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا . إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً » .
« 1 »
زعموها نزلت بشأن قصّة الغرانيق !
ولكن الآية ترمي شيئا آخر لامساس له بتلك القصّة ، وذلك أنّ قريشا بعد ما أيست من التغلّب على دعوة الحقّ ، ورأت أنّ الدعوة تتقدّم بسرعة مع اللّيالي والأيّام ، حاولت الاصطلاح مع رسولاللّه صلى الله عليه وآله ليجاملهم بعض الشيء ، فلا يذكر آلهتهم بسوء ولايُسفّه أحلامهم علانية ، وشرطوا عليه إن كان يرغب في موادّتهم ومراودتهم أن يجتنب مجالسة العبيد والسفلة الأذلّاء ويطردهم عن حاشيته وبالتالي يداهنهم في سيرته النزيهة التي تُمثّل منهج العدل والحكمة ، فيُحوّلها إلى سلوك أهل الكبرياء وأصحاب الترف في الحياة .
وقد تحرّج النبيّ صلى الله عليه وآله تجاه اقتراحهم هذا الثقيل ، فمن جهةٍ كان يرغب شديدا في إيمان قومه ، فكان يرى لو جاملهم بعض الشيء لاستطاع إخضاعهم للإسلام ، ومن جهة أخرى كان عليه صعبا جدّا أن يحوّل من سيرته العادلة إلى سيرة جبّارة ، ولم يكن يستطيع ذلك أبدا .
فنزلت الآيات تيئيسا لمطمع أهل الشرك والفسوق ، وترويحا بنفسه الكريمة ليتخلّص عن المأزق الذي وقع فيه . فليكن على قاطع من أمره أنّه يسير على المنهج الحقّ ، وأن لامطمع في إيمان هؤلاء الأنذال حتى ولو جاملهم في الأمر .
« كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي
هامش
( 1 ) - الإسراء 73 : 17 - 75 .