تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
هذا هو الذي أخذه اللّه عليه وحسبه ترك أولى منه لم يكن ينبغي صدوره من مثله وهو نبيّ كريم . وهذا معنى قوله تعالى :
« فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ »
أي كان على يقين من أنّ ذلك من وظيفته الخاصّة فلا نؤاخذه عليها ولا نتضايق بشأنه من أجلها . لكنّه لمّا علم بخطأ ظنّه وأنّه قد ترك الأولى بشأنه اغتمّ اغتماما بالغا وأخذ في الاستغفار والضراعة إلى اللّه تعالى أن يغفر له تلك البادرة التي فرطت منه . قال تعالى - مناصحا لنبيّه أن لايستعجل في مغادرة قومه من مكة - :
« وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ
( حيث استعجل الخروج )
إِذْ نادى
ربه
وَهُوَ مَكْظُومٌ »
مختنق من الغمّ على أثر بادرته تلك . « 1 » وعليه فلم يكن هناك عصيان ولا مخالفة أمر صريح ولا إساءة ظنّ باللّه العظيم ! .

عيسىبن مريم

قال تعالى :
« وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ » .
« 2 » كيف يجوز توجيه هكذا سؤال إلى مثل عيسى ، وهو كلمة اللّه وروحه ، أكان يصحّ توجيه هكذا سؤال إلى من لا يحتمل بشأنه ذلك ؟ ! الجواب : أنّه من باب « إيّاكَ أعني واسمعي يا جارة » تقريعا بالمنتحلين إليه كذبا ، واستنكارا لعقيدتهم بالتثليث ، هم ابتدعوه ما أنزل اللّه به من سلطان ولا كان المسيح أمرهم به . « 3 » فليس سوى تعريض صريح بموقفهم الفاسد المنهار ، الذي لا أساس له في شريعة الأنبياء إطلاقا .
هامش
( 1 ) - القلم 48 : 68 . راجع : مجمع البيان ، ج 10 ، ص 341 . ( 2 ) - المائدة 116 : 5 . ( 3 ) - كانت في عهد نزول القرآن فرقة من النصارى تسمّى بالبربرانية ، كانت تعتقد أُلوهيّة القدّيسة مريم وابنها المسيح عليهماالسلام . راجع : الفصل في الملل والنحل ، ج 1 ، ص 48 .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 459 | الشيخ محمد هادي معرفة