هل للقناعة والاقتصاد في تلك المرحلة مفهوم معقول ؟ !
ونبيّ اللّه سليمان إنّما طلب منحة إلهية اختصاصية يمتاز بها بين سائر الأنبياء حيث كلّ واحد منهم كان يمتاز بجهة هي غالبة على سائر الجهات من شؤون نبوّته الكريمة . آدم بسجود الملائكة له . نوح بكونه نجي اللّه . إبراهيم بخلّته . موسى بتكليمه . داود بلين الحديد وتسبيح الجبال معه . عيسى بكونه كلمة اللّه وروحا منه . محمّد خاتم الأنبياء وسيّد المرسلين .
فأراد سليمان عليه السلام أن يكون امتيازه وطابعه الربّاني هو سيطرته على الإنس والجنّ والطير والوحش ليكون مظهر قدرته تعالى على جميع صنوف الخلائق . من غير أن يكون له مطمع في دنيا أو حبّ في رئاسة هي زائلة لا محالة .
استعجال يونس
قال تعالى :
« وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ » .
« 1 »
ممّ كان مغاضبا ؟ وكيف ظنّ أن لن يقدر اللّه عليه ؟ وبماذا اعترف على نفسه بالظلم ؟
الجواب : أنّه كان مغاضبا لقومه بسبب إصرارهم على الضلال والمعاندة مع الحقّ ، وقد مكث بين أظهرهم يدعوهم إلى اللّه وهم لايستجيبونه حتّى أيس منهم ، وأحسّ بالعقاب يرفرف على رؤوسهم ، فأخذ بمغادرتهم لأنّ العذاب لا ينزل بساحة قوم وفيهم نبيّ
« وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ » .
« 2 » فمن وظيفة الأنبياء أن يغادروا مهبط العذاب .
فبناء على هذا القانون السماوي غادرهم يونس ولكن من غير استيذان خاصّ من اللّه في ذلك ، علما منه بأنّ ذلك من وظيفته المتعيّنة عموما ولا حاجة إلى مراجعة أخرى خاصّة !
هامش
( 1 ) - الأنبياء 87 : 21 - 88 .
( 2 ) - الأنفال 33 : 8 .