ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ، رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ
. . .
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ » .
« 1 »
في هذه الآيات موضعان للسؤال :
الأوّل : كيف يؤثر مثل سليمان ، حبّ الخيل على ذكر ربّه ؟
الثاني : كيف يطلب ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، أليس في هذا الطلب شيء من شائبة البخل ؟
والجواب : أوّلًا - أنّ ما رووه بشأنه عليه السلام أنّه كان مغرما بحبّ الخيول المسوّمة الجياد فكان يوم عرضها عليه ففاتته فريضة العصر ، كلّه باطل وقبيح ينمّ عن وقاحة واضعه وجهله بمنزلة الأنبياء .
والصحيح : أنّه كان يوم استعراض الخيل لغرض انتخاب جيادهن لغرض الجهاد في سبيل اللّه . وكان الوقت وقت عشيّ ، فاشتغل سليمان بملاحظتهنّ وفاته تسبيحه المعتاد ذلك الوقت
« فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا » .
« 2 »
« وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ » .
« 3 »
وهذا وإن كان اشتغالًا بعبادة عن أخرى ، لكن نبيّ اللّه سليمان فرض ذلك على نفسه ذنبا فاستغفر اللّه منه . قوله :
« إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ »
قال ذلك اغتماما لما فاته من ورده المعتاد . « 4 »
وقوله :
« رُدُّوها عَلَيَّ »
أي الخيل لعرضها ثانية لغرض التأكّد من سلامتهنّ وصلاحيتهنّ للجهاد .
وثانيا - أنّ المذموم هو الحرص والظنّ بما يخصّ هذه الحياة الدنيا . أمّا ما أريد به وجه اللّه والدار الآخرة فالطمع البالغ فيه غير مذموم . ومن ثمّ نرى نبيّنا الكريم طلب من امّته الصلاة عليه على مرّ الأيّام والدهور . وهل يستغني أحد من رحمة ربّه الواسعة ؟ ! أم
هامش
( 1 ) - ص 31 : 38 - 35 .
( 2 ) - مريم 11 : 19 .
( 3 ) - آلعمران 41 : 3 .
( 4 ) - تنزيه الأنبياء ، ص 94 .