قاطعة ومن ثمّ استغفر اللّه على بادرته تلك ، وإن لم تكن معصية حيث لم يحكم حكم قضاء ، وإنّما أبدى رأيه الشخصي إزاء تلك الدعوى على فرض صحّتها تقديرا .
فلم تكن تلك الظاهرة سوى رحمة من اللّه عليه وعناية خاصّة به ، تمهيدا لاستخلافه في الأرض ، الذي جاء ذكره تعقيبا على الآيات المذكورة
« يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » .
« 1 »
نعم ، قد يكون في التمثيل بالنعاج ، خصوصا في تلك النسبة المرتفعة ، تنبيه آخر لداود ، روي أنّه خطب امرأة وكان قد خطبها أيضا آخرون ، فأراد أهلها أن يزوّجوها من داود إجلالا لمقامه الكريم ، وهو لا يدري بالأمر ، فنبّهه اللّه عليه كي لا تدخل عليه شنعة من الناس فيحسبوه متدخّلًا في سوم الآخرين . « 2 »
فتنة سليمان
قال تعالى :
« وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ » .
« 3 »
ذكروا أنّه قال لأصحابه يوما : سأطوف الليلة على نسائي لتلد كلّ واحدة غلاما يضرب بالسيف في سبيل اللّه ، قال ذلك قاطعا بالأمر ، فقد تمنّى مالم يكن باستطاعته إلّا أن يشاء اللّه . فأراد اللّه تنبيهه على بادرته تلك ، وإن كانت نظرته نصرة الحقّ محضا . فطاف عليهنّ كلّهنّ فلم تحمل منهنّ سوى واحدة وجاءت بسقط ميت . « 4 »
هذا هو الصحيح الذي اختاره أصحابنا الإمامية في تفسير الآية . وأمّا ما ذكره بعض المفسّرين من أمور تمسّ بكرامة الأنبياء وتهين من مقامهم الجليل ، فهي - فضلًا عن مخالفتها لأُصول العقيدة ولظاهر القرآن - روايات لا أصل لها ولا سند متّصلًا إلى معصوم .
* * * وقال تعالى :
« إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ ، فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ
هامش
( 1 ) - ص 26 : 38 .
( 2 ) - انظر : مجمع البيان ، الوجه الأوّل ، ج 8 ، ص 472 .
( 3 ) - ص 34 : 38 .
( 4 ) - مجمع البيان ، ج 8 ، ص 475 .