يهجمان عليه المحراب ، وهو منشغل بخلوته مع ربّه ، ومن ثمّ أفزعته تلك المباغتة الغريبة ، وتسرّع في الحكم قبل أن يتأكّد من توفّر شروطه أجمع ، حتى ولو كان بصورة فرض ، لأنّه كان بمحضر المدّعى عليه ، وربما أوجب انفعالا في نفسه فيتقاعس عن الدفاع عن نفسه ، لظنّه أنّ الحكم حتم لخصمه فلا فائدة في الدفاع .
هذا ولاسيّما وقد أُلقيت الدعوى بصورة تستجلب الحكم للمدّعي في بادىء النظر ، خصوصا والمدعى عليه ساكت لايتكلّم .
والخلاصة : أنّ بواعث التسرّع بأخذ جانب المدّعي حينذاك كانت متوفّرة أوّلًا :
هجوم الخصمين عليه بتلك الصورة المفزعة ، وهي تحول دون رجوع العقل إلى رشده ، ولا يملك أيّ إنسان وعيه إذا ما ملكه الفزع وفاجأه رعب مهول . وربما يتّخذ تدبيرا هو بمعزل عن رشد العقل ، ومن ثمّ كان من آداب الحكم أن لا يكون القاضي منشغل الذهن بهواجس ولا مرتاعا في أمره .
ثانيا : إلقاء الدعوى بتلك الصورة المغرية : إنّه يملك نعجة واحدة ، وخصمه يملك تسعاوتسعين نعجة ، وطلب إليه أن يضمّ نعجته إلى نعاجه ، من غير ماسبب معقول ، سوى أنّه يملك أكثر بتلك النسبة العالية .
ولا شكّ أنّ الدعوى إذا كانت بتلك الصورة كان الحقّ مائة بالمائة مع المدّعي ، ويكون المدّعى عليه ظالما له .
ولعلّ إلقاء الدعوة بتلك الصورة كان - أيضا - لأجل اختبار داود ، هل تغلبه صورة الدعوى المغرية ؟ وهل تثير من عواطفه الرقيقة ضدّ المحكوم ؟ فإذا كان الأمر كذلك كان بعد لم تنضج صلاحيته للقضاء العدل الذي يريده اللّه .
ثالثا : سكوت المدّعى عليه محضا تجاه الغوغاء التي أثارها خصمه ، وهو لاينبس ببنت شفة ، كلّ ذلك كانت بواعث للحكم ضدّه في بادئ الأمر .
لكن داود عليه السلام بعد أن تسرّع إلى الحكم - فرضيا - رجع إلى رشده على فوره ورأى بنور اللّه أنّه لم يكن ينبغي منه ذلك التسرّع ، ولابدّ أن يستمع إلى الخصم ، ولعلّه ذو حجة
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 455
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٤٥٥