تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
فضلّوا ، شأن كلّ زعيم إذا أحسّ بضعضعة في بعض جوانب قيادته ، أن يستنطق المسؤول الذي عيّنه في تلك الجهة ويبادر إلى محاكمته إن كان رأى من موقفه التساهل والتقاعس عن وظيفته . الأمر الذي دعى بموسى أن يوجّه ملامته أوّلًا وبالذات إلى أخيه المسؤول عن قومه . فأخذ برأسه ولحيته وجرّه إليه بعنف ، استنكارا على تساهله بأمر القوم . وهارون وإن كان قد أبدى عذره عن سكوته تجاه ضلال القوم وعبادتهم للعجل لكنّه لم يكن بتلك المثابة التي تبرأ موقفه نهائيا ، ومن ثمّ استغفر موسى لنفسه ولأخيه . إنّ هارون حسب من قيامه في وجه القوم حدوث انشقاق في صفوفهم وربما وقوع فساد وسفك دماء ، فسكت ريثما يعود موسى وهو أعرف بموقفه مع القوم . الأمر الذي إن كان يصلح عذرا في الجملة ، فليس من العذر المقبول كليّا . ومن ثمّ لم يكن موقف موسى مع أخيه حينذاك ظلما بشأنه ذلك الظلم الذي حسبوه ، كما لا يخفى على من أمعن النظر في جوانب القضية ودرسها بعمق . وهذا الكتاب موضع اختصار .

اختبار داود

قال تعالى :
« وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ . إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ، قالُوا لا تَخَفْ ، خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ ، فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ . إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ، قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ ، وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، وَقَلِيلٌ ما هُمْ . وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ . فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ ، وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ » .
« 1 » قوله :
« تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ »
أي تسلّقوا حائطه وصعدوا عليه ، ودخلوا على داود في محراب عبادته بهذه الطريقة غير المألوفة ولعلّه إرعابا له ، ومن ثمّ فزع منهم .
هامش
( 1 ) - ص 21 : 38 - 25 .