وهكذا قوله تعالى :
« وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ » .
« 1 »
الجواب : كلّا ، بل هو استرحام واستعطاف ، وسؤال عن مصلحة كادت تخفى على نبيّ اللّه موسى عليه السلام . وأخيرا اعترافه بأنّ وراء هذه الظواهر حكمة بالغة وفوائد تربوية جليلة ، تخضع لها نفوس مستسلمة سليمة فتهتدي إلى معالم الحق ، وإن كان قد يزيد في ضلال من زاغ قلبه وأعمى بصره .
قوله :
« إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ »
أي ابتلاؤك وامتحانك للناس
« لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ » .
« 2 »
وقوله :
« أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا »
استرحام وطلب للعفو عمّا فرط منهم في جنب السفهاء ، حيث واكبوهم في سفاهتهم وداهنوهم في غفلتهم . ولم يقصد موسى عليه السلام نفسه ، وإنّما عنى الرجال السبعين الذين اختارهم للميقات ، أهلكتهم الرجفة بمجاملتهم مع سفهاء القوم .
واللام في قوله :
« لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ »
هي لام العاقبة ، مثلها في قوله :
« فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً » .
« 3 »
وهذا تمهيد للدعاء عليهم بالهلاك والدمار ، حيث كفروا بنعم اللّه عليهم ولم يشكروها ، بل وأخذوا يستغلّونها في سبيل إضلال العباد والصدّ عن سبيل اللّه .
* * * وقال تعالى :
« وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » .
« 4 »
أليس هذا من طلب المستحيل ؟
وقد تقدّم الجواب عن ذلك ، بأنّه من باب تجاهل العارف ، على أثر ضغط من قومه الجاهلين . فقد ورد أنّ لسانه لم يطق النطق به ، فأوحى اللّه إليه : يا موسى سلني ما سألوك
هامش
( 1 ) - يونس 88 : 10 .
( 2 ) - الأنفال 42 : 8 .
( 3 ) - القصص 8 : 28 .
( 4 ) - الأعراف 143 : 7 .