الوجود ، كلٌّ في صقعه المتناسب .
وهذا الاصطلاح هو المعبّر عنه في مصطلح بعضهم بالعلم القديم والعلم الحادث .
فأثبت له تعالى علمين : علما أزليّا قديما حسب قِدَمِ ذاته المقدّسة ، وعلما حادثا يحدث مع حدوث الأشياء ولا مشاحّة في الاصطلاح بعد وضوح المقصود .
قال العلّامة - بصدد بيان نوعي علمه تعالى - : إنّ لكلّ مجرّد علما بذاته ، لحضور ذاته المجرّدة عن المادّة لذاته ، وليس العلم إلّا حضور شيء لشيء . . . فذاته تعالى معلومة لذاته .
كما أنّ ذاته المقدّسة حقيقة الوجود الصرف ، البسيط الواحد بالوحدة الحقّة الذي لايداخله نقص ولا عدم . فلا كمال وجوديّا في تفاصيل الخلقة بنظامها الوجوديّ إلّا وهو تعالى واجد له بنحوٍ أعلى وأشرف ، غير متميّز بعضها عن بعض ، لمكان الصرافة والبساطة .
فكلّ شيء سواه هو معلوم له تعالى في مرتبة ذاته المقدّسة علما تفصيليّا في عين الإجمال ، وإجماليّا في عين التفصيل .
وأيضا فإنّ ما سواه من الموجودات منتهية في وجوداتها إليه تعالى ، قائمات الذوات به قيام الرابط بالمستقلّ ، حاضرات لديه بوجوداتها غير محجوبات عنه .
فالأشياء معلومة له تعالى في مرتبة وجوداتها ، علما حضوريا ، أمّا المجرَّدة فبأنفسها ، وأمّا المادّيّة فبصورها المجرَّدة .
فقد تبيّن بذلك أوّلًا : أنّ للواجب تعالى علما بذاته في مرتبة ذاته ، وهو عين ذاته .
وثانيا : أنّ له تعالى علما بما سوى ذاته من المجودات في مرتبة ذاته ، وهو المسمّى بالعلم قبل الإيجاد . ( وهو العلم الذاتي الأزلي بالأشياء ) .
وثالثا : أنّ هذا علم إجمالي في عين الكشف التفصيليّ .
ورابعا : أنّ له تعالى علما تفصيليّا بما سوى ذاته من الموجودات في مرتبة ذواتها ، خارجا عن الذات المتعالية ( أي وراء الذات ) وهو العلم بعد الإيجاد . ( وهو العلم الفعلي الحادث بحدوث الأشياء فيما لا يزال ) .
وخامسا : أنّ علمه تعالى حضوريّ كيفما صُوّر . ( سواء أكان علما بذاته أم بسواها ، قبل الإيجاد أو بعده ) .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 426
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٤٢٦