ذات العلم .
فعلمه تعالى الحادث ، إنّما يوصف بالحدوث باعتبار متعلّقه لاذاته . وهذا العلم الحادث إنّما سبقه العلم الأزلي القديم ، على خلاف علمنا الحادث المسبوق بالجهل محضا .
فوصف علمه تعالى هذا الحادث بالتغيّر ، باعتبار تغيّر متعلّقاته ، لا يستلزم القول بتغيّر علمه الأزلي المستدعي لتغيّر ذاته المقدّسة ، تعالى اللّه عن ذلك .
* * * وقد نُسب إلى أبي محمد هشام بنالحكم الشيباني ( شيخ الإمامية ومتكلّمهم المناظر ، توفّي سنة 190 ) . قوله بأنّ اللّه تعالى لا يعلم الجزئيّات إلّا عند وقوعها ، مستدلًاّ بقوله تعالى :
« الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً » .
« 1 » نسبه إليه الفخر الرازي . « 2 »
أي علمه تعالى المتعلّق بأعيان الموجودات إنّما يتحقّق بعد ظهوراتها . يعني به علمه الحادث ، من غير أن يستلزم ذلك نفي علمه القديم .
وهكذا نُسب إلى أبي الحسين محمد بنعلي الطيّب البصري ( المتكلّم على مذهب المعتزلة ، توفي سنة 446 ) قوله بتغيّر علمه تعالى المتعلّق بالجزئيّات حسب تغيّرها .
قال سعدالدين التفتازاني ( ت 793 ) : ذهب أبو الحسين إلى أنّ علم البارئ بالجزئيات ( أي أعيان الموجودات ) يتغيّر بتغيّرها ، ويحدث بعد وقوعها ، ولا يقدح ذلك في قِدَم الذات . كما هو مذهب جهم بنصفوان السمرقندي ( قتله نصر بنسيار سنة 128 ) وهشام بنالحكم ، من القدماء . وهو ( أي البارئ تعالى ) في أنّه في الأزل إنّما يعلم الماهيّات والحقائق ، وأمّا التصديقات - أعني الأحكام بأنّ هذا قد وُجد ، وذلك قد عُدم - فإنّما يحدث فيما لا يزال ( أي يتجدّد حسب تلاحق الزمان ) وكذا تصوّر الجزئيات الحادثة ( أي العلم بها ) . وبالجملة فذاته ( تعالى ) توجب العلم بالشيء بشرط وجوده ، فلا يحصل قبل
هامش
( 1 ) - الأنفال 66 : 8 .
( 2 ) - راجع : التفسير الكبير ، ج 15 ، ص 195 - 196 ؛ والبراهين في علم الكلام ، ج 1 ، ص 119 .