تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
فما هذا العلم الحادث ، وكيف تكون ذاته المقدَّسة معرضا لعروض الحوادث ، وهل يختلف هذا العلم مع علمه تعالى الأزلي القديم ؟ الأمر الذي يجب الوقوف لديه والتريّث في حقيقة الأمر ! ولنتكلّم عن حقيقة العلم ذاتيّا ، ثمّ النظر في قسميه : القديم والحادث ، بالنسبة إليه تعالى ! العلم في حقيقته ليس سوى انكشاف المعلوم لدى العالم ، إذا لم يكن بينهما حجاب ، وهو - على ذلك - يعدّ من مقولة الإضافة ، ينتزعه العقل انتزاعا عند تقابل المُدرِك مع المُدرَك ، إذا لم يحل بينهما فاصل حجاب . فليس العلم سوى عدم الحاجز بين العالم والمعلوم ! غير أنّ العلم لدينا هو حصول صورة الشيء وانتقاشه في الذهن ، أمّا علمه تعالى فعبارة عن حضور المعلوم بعينه لديه . ومن ثمّ كان علمه تعالى حضوريّا لا حصوليّا . قال العلّامة الطباطبائي : ليس العلم سوى حضور شيء لشيء ، إمّا حضور صورته - كما في علمنا - أو حضور عينه ، كما في علمه تعالى . « 1 » فالعلم في حقيقته ، اعتبارٌ منشأه الانتزاع ، الحاصل من تقابل شيء لشيء مع عدم حاجز بينهما ! وعلمه تعالى بالأشياء ، عبارة عن حضور الأشياء بأسرها لديه
« وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ » .
« 2 » فالأشياء بأسرها حاضرة لديه ، وحتّى الزّمان لا يصلح حاجزا في هذا المجال . نعم كان علمه تعالى بالأشياء قبل وجوداتها وقبل ظهورها في عرصة الوجود ، إنّما كان متعلّقا بها بوصف أنّها موجودات آتيات ، أي مقدّرة الوجود . أمّا وبعد ظهورها في ساحة الوجود فأصبحت موجودات بالفعل ، وتعلّق علمه تعالى بها تعلّقا بالعين . فقد تبدّل علمه من التعلّق بالوصف إلى التعلّق بالعين . فالتبدّل إنّما حصل في جانب المتعلَّق لا في
هامش
( 1 ) - نهاية الحكمة ، ص 289 . ( 2 ) - يونس 61 : 10 .