الحصول ، فقد كانت مدّة كونها البقائي عين مدّة حدوثها الابتدائي الإنشائي .
فهذه المدّة المضروبة في الكلام الإلهي ، هي مدّة بقاء وجودها ، الذي هو عين الحدوث .
قال : ويشير إلى هذا المعنى ، قوله تعالى :
« كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ » .
قال : وأمّا حديث « جّف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » . « 1 » فهو بالقياس إلى عالم آخر هو عالم الغيب الذي هو فوق عالم الحسّ والشهادة .
قال : ولو نظرت - حقّ النظر - إلى حقيقة كلّ أمر متغيّر في عالم الحسّ ، تلك الحقيقة التي هي وراء هذا العالم المحسوس ، لوجدته حقيقة ثابتة ، وخارجة عن محدودة الزمان والمكان ، ومترفّعة عن التجدّد والتغيّر والحدَثَان . فلو انخلعنا عن هذه الحواسّ الظاهرة ، ونظرنا إلى تلك الحقائق أيضا منخلعة عن الزمان والمكان ، إذن لوجدنا الأرض غير الأرض ، والسماوات غير السماوات ، وكانت بأجمعها مطويّات بيمين الحقّ تعالى . « 2 »
شواهد وبيّنات
من الدلائل اللّائحة بصحّة أمر البداء ، ما وقع من تغيير في تقدير إلهي ، جاء ذكره في الكتاب العزيز ، فكان أكبر برهان على الإمكان بعد الوقوع .
* - من ذلك ما حكاه تعالى عن قوم يونس ، لمّا آمنوا كشف اللّه عنهم العذاب وقد كان سُجّل عليهم تسجيلًا .
قال تعالى :
« فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ » .
« 3 »
لولا ، هنا للتأنيب ، ومعناه النفي . أي لم تكن قرية آمنت عند معاينة العذاب فنفعها
هامش
( 1 ) - على ما روته العامّة ، وليست من روايات الخاصّة بهذا المضمون ، حسبما عرفت .
( 2 ) - راجع : تفسير القرآن الكريم ، ج 6 ، ص 31 - 33 . وقد سبق تلخيص كلامه .
( 3 ) - يونس 98 : 10 .