لكنّا نبّهنا : أنّ الأُمور مقدّرة في مجاريها حسب سنن الطبيعة وعلى حساب تسلسل العلل والمعاليل
« إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ » .
« 1 » أي بتقدير يتناسب وذاتيّات الأشياء حسب طبائعها الأوّليّة ، إذا لم يفاجئها الطوارىء ! الأمر الذي لا يمتنع من علمه تعالى بمصير الأُمور في نهاية المطاف .
فالتقدير إذا كان موقوفا ، فليس من الحتم أن يقع كما قدّر ، إذ قد تجري الرياح بما لا تشتهي السفن .
« وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ » .
« 2 »
روى البرقي بإسناده إلى الفضيل بنيسار . قال : سمعت الإمام أبا جعفر الباقر عليه السلام يقول : « من الأمور أمور موقوفة عند اللّه ، يُقدِّم منها ما يشاء ويُؤخِّر منها ما يشاء ، ويُثْبِت منها ما يشاء » . « 3 »
* * * وقد ورد في رواياتنا الإسلاميّة ، أنّ هذا التحوّل والتغيير في المشيئة والتدبير ، إنّما يحصل كلّ سنة في ليلة القدر من شهر رمضان ، فيُمحى ما يُمحى ويَثْبُت ما يَثْبُت حسبما تقتضيه المصالح الجارية في تلك السنة ، فكانت ليلة تقديرٍ لمقدّرات ذلك العام .
قال تعالى - بشأن ليلة القدر - :
« فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ » .
« 4 »
قال ابنجزيّ الكلبي ( ت 741 ) : معنى يُفْرَق ، يُفصَل ويُخلَص . والأمر الحكيم ، أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم في ذلك العام . نسخ من اللوح المحفوظ ليمتثل الملائكة ذلك بطول السنة القابلة . « 5 »
والفعل المضارع هنا ( يُفْرَقُ ) يدلّنا على استمرار التفريق عبر السنين والأعوام .
تداوما مع تدبيره تعالى وتقديره فيما لا يزال .
قال الطبرسي : أي في هذه اللّيلة يفصل ويبيّن . والمعنى : يقضي كلّ أمر محكم لا
هامش
( 1 ) - القمر 49 : 54 .
( 2 ) - الزمر 47 : 39 .
( 3 ) - بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 113 ، رقم 37 عن كتاب المحاسن .
( 4 ) - الدخان 4 : 44 .
( 5 ) - التسهيل لعلوم التنزيل ، ج 4 ، ص 34 .