ثمّ إنّه قدس سره بيّن معنى البداء وفسّره تفسيرا يتوافق مع ضوابط الأصول ، في شرحه على رسالة إعتقادات الصدوق قدس سره واستوفى الكلام حقّه « 1 » مستندا إلى دلائل الكتاب والسنّة الشريفة ، نستخلصه فيما يلي :
* - قال تعالى :
« لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ، يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » .
« 2 »
هذه أصرح آية بشأن التغيير في التقدير ، حسبما يشاء اللّه وفق حكمته في الخلق والإبداع . إنّه تعالى ليس قيد تقديره الأوّل ، المسجّل حسب المقتضيات الأوّليّة لطبائع الأشياء ، المعرّضة للتغيير والتحويل إذا ما طرأت الحوادث المفاجئة غير المترقّبة !
لكلّ أجل كتاب ( لوح المحو والإثبات ) مقدّر فيه الآجال حسب طبائع الأشياء وقابليّاتها الذاتيّة الأوّليّة . لكنّها بمعرض التحوّل والتغيير إذا ما عارضت الطوارىء المفاجئة . فقد ينمحي ما كان مثبتا أو يثبت على خلاف ما كان
« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ » .
غير أنّه تعالى يعلم في الأزل مصير الأُمور في مختلف الأحوال ، وهل هناك عوارض للمقدّرات أم هي جارية على طباعها الأُولى
« وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ »
. أي الذي سيكون وتتواجد شرائطه على كلّ حال .
فكلّ مقدَّرٍ متغيّرٍ أو ثابتٍ . معلومٌ لديه تعالى في كتاب مكنون وعلم مخزون ( اللّوح المحفوظ ) لا يعلمه إلّا اللّه .
روى الصدوق بإسناده إلى هشام بنسالم وحفص بنالبختري وغيرهما جميعا عن الإمام جعفر بنمحمّد الصادق عليه السلام قال في هذه الآية : « وهل يمحو اللّهُ إلّا ما كان ، وهل يثبت إلّا ما لم يكن » . « 3 »
يعني : أنّ المقدّرات في لوح المحو والإثبات ، قد يُنمحى منها ما عارضها الطوارىء المفاجئة وقد يُثْبَتُ فيها ما لم يكن مُثْبَتا من قبلُ ، ويكون وفق الشرائط الراهنة .
ولعلّك تتساءل : فيم يكون التغيير بعد إحاطة علمه تعالى في الخلق والتدبير ؟ !
هامش
( 1 ) - راجع : تصحيح الاعتقاد ، ص 24 - 26 .
( 2 ) - الرعد 38 : 13 - 39 .
( 3 ) - التوحيد للصدوق ، ص 333 ، رقم 4 ؛ وبحار الأنوار ، ج 4 ، ص 108 ، رقم 22 .