الخامس : أنّ المراد كفّه تعالى عن تعذيبهم في الآخرة إلّا بقدر ما عبدوا العجل . « 1 »
* * * قلت : كلّ هذا تكلّف وتأويل بعيد عن مساق الآية الكريمة .
إنّ غلّ اليد وإن كان تصحّ الكناية به عن البخل أو الفقر المُدقع ، كما أنّ بسطها يكون حينذاك كناية عن السخاء في الإنفاق . على ما ورد في قوله تعالى :
« وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ » .
« 2 »
إلّا أنّه لا دليل في ذلك على الانحصار ، فإنّ إيفاء هذين التعبيرين لمعنى العجز والاقتدار أيضا شايع الاستعمال . بل لعلّه الأصل في إرادة البخل والسخاء ، كأنّ البخيل قيّد يديه فأعجز نفسه . أمّا السخيّ فمبسوط اليدين ينفق كيف يشاء .
وفي الآية ( 64 المائدة ) شهادة صريحة على إرادة قيد العجز ضدّ الاقتدار ، بدليل الدعاء عليهم :
« غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ . . . »
. إذ ليس المراد رجاء أن يبخلوا ، بل أن يُسلَبوا القدرة على أيّ شيء .
قال الراغب :
« وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ »
ذمّوه بالبخل . وقيل إنّهم لمّا سمعوا أنّ اللّه قد قضى كلَّ شيء ، قالوا : إذن يد اللّه مغلولة أي في حكم المقيّد ، لكونها فارغة .
قال علي بنإبراهيم - في تفسير الآية - : قالوا : قد فرغ اللّه من الأمر . لا يحدث اللّه غير ما قدّره في التقدير الأوّل ، فردّ اللّه عليهم ، وأنّه تعالى يقدّم ويؤخّر ويزيد وينقص وله البداء والمشيئة . « 3 »
وروى الشيخ - في أماليه - بإسناده المتّصل إلى هشام بنسالم عن أبي عبداللّه الصادق عليه السلام في قوله تعالى :
« وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ »
قال : كانوا يقولون : قد فرغ من
هامش
( 1 ) - التفسير الكبير ، ج 12 ، ص 40 - 41 .
( 2 ) - الإسراء 29 : 17 .
( 3 ) - تفسير القمي ، ج 1 ، ص 171 . وراجع : البحار ، ج 4 ، ص 98 ، رقم 6 . وهكذا روى العياشي عن حماد عن الصادق عليه السلام .
البحار ، ج 4 ، ص 117 ، رقم 49 .