تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
فعلمه تعالى القديم إنّما تعلّق به باعتبار أنّه سيوجد في وقت كذا . أمّا علمه تعالى المتعلّق بعينه بسمة أنّه موجود بالفعل ، فهذا إنّما يكون بعد ظهوره على صفحة الوجود ! وقد اصطلحوا على تسمية علمه تعالى هذا ، المتعلّق بأعيان الأشياء بعد وجوداتها ، بالعلم الحادث ، المسبوق بعلمه تعالى القديم . ولم يحصل تغيير في ذات علمه تعالى ، وإنّما حصل التغيّر في متعلّقه . فمن علمه بالأشياء بوصف أنّها ستوجد ، تبدّل إلى علمه بأعيان الأشياء باعتبارها موجودة بالفعل ، فقد تغيّر وصف المعلوم لا ذات العلم . فلا تغيير في علمه تعالى ، لم يزل ولا يزال كما هو ، وإنّما التغيير في المتعلّقات . ولو أردنا مقايسة علمه تعالى هذا الحادث ، بعلمنا الحادث المتعلّق بالأشياء لعرفنا أنّ وصف الحدوث لعلمنا ، إنّما هو باعتبار سبق الجهل منّا ، وأنّه لم يكن ثُمّ كان . أمّا علمه تعالى الحادث ، فهو باعتبار سبقه بالعلم القديم . فهو تعالى لم يزل عالما ، أمّا في القديم فباعتبار تعلّقه بكائن سيُوجَد . وأمّا في الجديد فباعتبار تعلّقه بكائن قد وُجِد ( موجود بالفعل ) . فالحدوث والقدم في علمه تعالى إنّما هو باعتبار وصف المتعلّق لا في ذات العلم . وهكذا مشيئته تعالى التابعة لعلمه . فهناك مشيئة قديمة بإيجاد الأشياء في ظروفها المؤاتية . ومشيئة حادثة عند تحقّق الشرائط ، تعلّق بإيجادها بالفعل .
« إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » .
« 1 » هذه الإرادة هي الحادثة لدى تحقّق الشرائط المؤاتية للتكوين .
« وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » .
« 2 » أي إذا تحتّمت للشيء شرائطه الوجوديّة ، فإنّه يوجد لا محالة ، بإذنه تعالى .
« وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا » .
« 3 »
« لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا » .
« 4 » وعليه فمعنى « بدا للّه » : أنّ مشيئته تعالى الحادثة ، قد تعلّقت بتكوين شيء لم يكن بالحُسبان ، أي بحُسبان الشرائط الراهنة ( المعهودة ) لولا الشرائط المفاجئة ، ( غير المترقّبة )
هامش
( 1 ) - يس 82 : 36 . ( 2 ) - البقرة 117 : 2 . ( 3 ) - الأحزاب 37 : 33 . ( 4 ) - الأنفال 42 : 8 .