وقال الشيخ المفيد : جميع أفعاله تعالى الظاهرة في خلقه بعد أن لم تكن فهي معلومة فيما لم يزل ، وإنّما يوصف منها بالبداء ما لم يكن في الاحتساب ظهوره ولا في غالب الظنّ وقوعه . فأمّا ما علم كونه وغلبت في الظنّ حصوله فلا يستعمل فيه لفظ البداء . ويعني بآية الزمر ( 47 : 39 ) : ظهر لهم من أفعاله تعالى بهم ما لم يكن في حسبانهم وتقديرهم . « 1 »
ولفظة البداء المستعملة في القرآن - ثلاثيّا - كلّها على ذلك على وجه التقريب . « 2 »
والبداء - في مصطلح الفنّ - : نشأة رأي جديد ، وهو في التكوين نظير النسخ في التشريع ، عبارة عن التجدّد في الرأي ، سواء في التكوين أم في التشريع .
قال تعالى - بشأن النسخ - :
« ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » .
« 3 »
وقال - بشأن البداء - :
« لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ . يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » .
« 4 »
غير أنّه بالنسبة إليه تعالى يختلف معناه عمّا إذا نسب إلى غيره ، حسبما ننبّه .
وهكذا ورد في الحديث نسبة البداء إلى اللّه سبحانه ، ففي صحيح البخاري - في حديث الأقرع والأبرص والأعمى - : « بدا للّه عزّوجلّ أن يَبْتَليهم . . . » . « 5 »
قال ابنحجر : بدا للّه ، بتخفيف الدال المهملة بغير همز أي سبق في علم اللّه فأراد إظهاره ، وليس المراد أنّه ظهر له بعد أن كان خافيا ، لأنّ ذلك محال في حقّ اللّه تعالى .
قال : وقد أخرجه مسلم ، بلفظ : « أراد اللّه أن يبتليهم . . . » فلعلّ التغيير فيه من الرواة ، مع أنّ في الرواية أيضا نظرا ، لأنّه تعالى لم يزل مريدا . والمعنى : أظهر اللّه ذلك فيهم . وقيل :
معنى أراد ، قضى . « 6 »
هامش
( 1 ) - تصحيح الاعتقاد ، ص 24 - 25 .
( 2 ) - راجع الآيات : آل عمران 118 : 3 . ( الأنعام 28 : 6 ) . ( الأعراف 22 : 7 ) . ( الزمر 48 : 39 ) . ( الجاثية 33 : 45 ) . ( الممتحنة 4 : 60 ) .
( 3 ) - البقرة 106 : 2 .
( 4 ) - الرعد 38 : 13 - 39 .
( 5 ) - صحيح البخاري ، كتاب الأنبياء ، رقم 51 ، ج 4 ، ص 208 .
( 6 ) - فتح الباري شرح البخاري ، ج 6 ، ص 364 .