تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
وكان موضع البداء من صفاته تعالى الجمال والجلال موضعه الخطير ، نظرا لكونه تداوما في الخلق والتدبير
« كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ »
« 1 » ولا يزال في خلق جديد ، فعّال لما يشاء ويحكم ما يريد . وهو ردّ قاطع لما زعمت اليهود : أنّ
« يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ »
وقد فرغ من الأمر ، فلا تغيير في القضاء ولا تبديل في التقدير ، فقد جفّ القلم بما رقم ، فلا موضع بعده للدعاء ولا للإنابة والاستغفار . فقد ردّ عليهم سبحانه ولعنهم بما قالوا
« بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » .
« 2 »
« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ »
. « 3 » الأمر الذي جعله من أفخم نعتٍ عُظّم اللّه به ، وكان وصفه تعالى به من أكبر العبادات ، كما في الحديث . قال الإمام الصادق عليه السلام : « لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر مافتروا عن الكلام فيه » . « 4 »

تصوير إجمالي عن مسألة البداء

وقبل أن نخوض البحث ، لابدّ من تصوير إجمالي عن هذه المسألة الخطيرة ، ليكون القارئ على بصيرة من الأمر وإلى مَ يتّجه البحث ؟ البداء ، في مفهومه اللغوي هو : نشأة رأي جديد . وهكذا في مفهومه الاصطلاحي بالنسبة إلى غيره تعالى ، أمّا بالنسبة إليه تعالى فإنّه مستحيل بعد إحاطة علمه تعالى الأزلي ! فالبداء بالنسبة إليه تعالى هو : ظهور شيء في صفحة الوجود على خلاف تقديره الطبيعي الأوّلي . إذ كلّ شيء له تقدير في الطبيعة على حساب المقتضيات والاستعدادات الذاتيّة للأشياء . لكنّها موقوفة على شرط هو : عدم عروض الطوارئ ، والّتي تُغيّر من اتّجاه مسيرة الوجود . إذ قد تجري الرّياحُ بما لا تشتهي السُّفُن .
هامش
( 1 ) - الرحمان 29 : 55 . ( 2 ) - المائدة 64 : 5 . ( 3 ) - الرعد 39 : 13 . ( 4 ) - بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 108 ، عن توحيد الصدوق .