فدراسة الطبيعة وفق مقتضياتها الأوّليّة ، علم بالتقدير الأوّل والذي فيه البداء ، أي :
احتمال التغيير في جهة المسير . فإذا تغيّرت الجهة بعروض الطوارىء - غير المترقّبة حسب الظاهر - فقد حصل البداء ، وهو : الظهور غير المترقّب .
وما « لوحُ المحو والإثبات » سوى صفحة الطبيعة . مُسَجّلةً فيها التقادير والآجال حسب طبائع الأشياء الذاتيّة لولا عروض الطوارئ .
وها هم علماء الطبيعة يدرسون تقادير الأشياء وآجالها حسبما رسمت لها طبائعها في صفحة الوجود . فهذه دورة الفلك والنجوم ، والشجر والنبات ، والحيوان والإنسان . . .
يدرسها العلماء بإمعان فيستعلمون تقاديرها وآجالها حسبما رسمت لها الطبيعة ، ويعرفون مصيرها فيما يأتي كما عرفوا مسيرتها فيما مضى . كلّ ذلك لولا عروض الطوارئ والموانع الحائلة دون اتّجاه المسير . الأمر الذي لا يعرفه - فيما يستقبل - سوى اللّه وفي علمه الأزلي ، وهو المعبّر عنه بالّلوح المحفوظ .
فالمُثبَت في لوح المحو والإثبات ( صفحة الطبيعة ) هو بمعرض التحوّل والتغيير . أمّا البتّ في الأمر حسبما يقع البتة ، فهو المثبت في اللّوح المحفوظ ( علمه تعالى الأزلي ) .
قوله تعالى :
« لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ، يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ »
« 1 » إشارة إلى هذين اللّوحين ، فالمقدّر لظواهر الطبيعة - حسب مقتضياتها الذاتيّة - بمعرض من التحوّل والتغيير ، فينمحي ويتغيّر عمّا قدّرته الطبيعة أحيانا بعروض الطوارئ . ويثبت على تقديره الأوّل ، إن وافته الظروف .
ولكن البتّ بتحقّق هذا أو ذاك ، فإنّما يعلمه تعالى في علمه الأزلي القديم .
وأمّا البداء للّه فمعناه : ظهور الشيء على صفحة الوجود ، ظهورا غير مترقّب حسب طبعه الذاتي ، لا في علمه تعالى القديم .
ومن ثَمّ فقد كان خافيا ، سترته مجاري سنن الطبيعة في ظاهرها المألوف . وكانت مصادمة الطوارئ هي التي أظهرته على خلاف المجرى وعلى غير انتظار . فبدا للّه ، أي حضر لديه تعالى بعد ذلك الكمون .
هامش
( 1 ) - الرعد 38 : 13 - 39 .