تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
في ظاهر الأمر . أمّا في واقع الأمر فكان مقدَّرا في الأزل في علمه تعالى المكنون . هذه صورة إجماليّة عن مسألة البداء في التكوين ، وفق ما جاءت به النصوص . وإليك طرفا من تفصيل الكلام فيها حسبما جاءت به قرائح علمائنا الأعلام ، ومن اللّه التوفيق :

البداء في اللغة والاصطلاح

البداء - في اللغة - هو الظهور بعد خفاءٍ ، يقال : بدا له بداءٌ أي تجدّد له رأي . وبدا له شيءٌ ، أي ظهر له على غير ترقّب أو من غير قصد . قال تعالى :
« ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ » .
« 1 » وهذا من البداء في الرأي . وقال :
« وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ »
« 2 » أي ظهر لهم منه تعالى على غير ترقّب لهم من ظهوره . قال أبو ربيعة المخزومي :
بدا لي منها مِعصمٌ حين جَمَّرَت * وكفٌّ خضيبٌ زُيّنت ببنانٍ
ولعلّ ظهور معصمها وكفّها له في تلك الحالة كان على خلاف انتظاره ، حيث النساء العفيفات يحتشمن من إبداء زينتهنّ للأجانب ولا سيّما في حالة رمي الجمرات وهي حالة عبادة . ولعلّ زينتها ظهرت من غير قصد ! قال أبو الهلال العسكري : الفرق بين البدُوّ والظهور ، أنّ الظهور يكون بقصد وبغير قصد ، تقول : استتر فلان ثمّ ظهر ، وهذا يدلّ على قصده للظهور . ويقال : ظهر له أمر فلان وإن لم يقصد لذلك . والبدوّ ما يكون بغير قصد ، تقول : بدا البرقُ وبدا الصبحُ وبدت الشمس . وبدا لي في الشيء ، لأنّك لم تقصد للبدوّ . « 3 »
هامش
( 1 ) - يوسف 35 : 12 . ( 2 ) - الزمر 47 : 39 . ( 3 ) - الفروق اللغويّة ، ص 237 ، باب 27 .