ذهبت بها . « 1 »
وهذا الذي ذكره الشيخ أخيرا يصلح وجها ثالثا لتفسير الآية الكريمة ليصير معنى الآية - واللّه العالم - : أنّ المواظبة على الأعمال الصالحة وإتيان الخيرات والرغبة في الحسنات ، لممّا يزيد في التوفيق ويبعث على ترك السيّئات واجتناب الشرور والمفاسد طبعا ، إذ كلّما ازدادت رغبة الإنسان في جهة ازداد بعدا عن جهة أخرى مخالفة لها .
والنفس البشرية سريعة التعوّد على الوضع الذي أنست به ، والطريقة التي سلكته في الحياة إمّا صلاحا أو فسادا .
فالإنسان الذي يزاول أعماله في جوّ صالح تراه لايفكّر إلّا في خير ، ولا يستطيع ارتكاب شرور حسبما ألفه من صلاح . وهكذا العكس ، الذي يزاول أعماله في جوّ فاسد لايفكّر إلّا في شرور وآثام . وهي طبيعة ثانوية للإنسان تحصل على أثر المرونة والإلف .
وعليه فقوله تعالى :
« إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ »
يعني : أنّ مرتكب الحسنات المتعوّد عليها ، لتبلغ به عادته تلك الحسنة ، إلى حيث تذهب عن حياته السيّئات فلا يرتكبها بحسب ذاته واعتياده على الصلاح ، فيالها من عادة حسنة ونعمت !
قلت : وإنّ في الصلاة - خصوصها - لأثرا تربويا نفسيا ليس في سائر العبادات . إنّها تجسيد لمقام العبودية تجاه المعبود العظيم . إنّ العبد إذا وقف بين يدي مولاه في الصلاة ، ليشعر بضآلة موقفه تجاه ربّ العالمين ، يرى من نفسه ذلك المحتاج الفقير العاجز الحقير ، واقفا بين يدي مولاه الغنيّ المقتدر العظيم ، ضارعا إليه خاشعا متواضعا ، سائلًا راغبا ، طالبا عنايته ورأفته ورحمته .
ومن أمعن النظر في مقاطع سورة الفاتحة وسائر أفعال الصلاة وأذكارها ليتجلّى له هذا الموقف الخطير وتلك الصلة الوثيقة التي تربط العبد المؤمن إلى مولاه الكريم . ومن ثمّ كانت الصلاة معراج المؤمن .
والعبد المؤمن إذا كان يعاهد مولاه كلّ يوم خمس مرّات في تلك الخشية والخضوع ،
هامش
( 1 ) - التبيان ، ج 6 ، ص 80 .