قال الإمام : فتعرّضت له وسألته عن صنيعه ذلك ؟ فقال : لعلّك جعفر بن محمّد ! قلت :
بلى . فقال : فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك ! قلت : وما الذي جهلتُ منه ؟ قال : قول اللّه عزّوجلّ :
« مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها » .
« 1 » وإنّي لمّا سرقتُ الرغيفين كانتا سيّئتين ، ولمّا سرقت الرّمّانتين كانتا سيّئتين ، فهذه أربع سيّئات .
فلمّا تصدّقت بكلّ واحدة منها كانت لي أربعون حسنة وإذا نقصت منها أربعا بقيت ست وثلاثون حسنة !
قال الإمام : قلت له : ثكلتك أُمّك ، أنت الجاهل بكتاب اللّه ، أما سمعت اللّه عزّوجلّ يقول :
« إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ » .
« 2 » إنّك لمّا سرقت الرغيفين والرّمّانتين كانت أربع سيّئات ، ولمّا دفعتها إلى غير أصحابها بغير رضاهم كنت أضفت إلى سيّئاتك أربع سيّئات اخر ، ولم تَصْفُ لك الأربعون ! قال : فجعل يلاحيني « 3 » فانصرفتُ وتركته .
قال الإمام : « بمثل هذا التأويل القبيح المستكره يَضلّون ويُضلّون » . « 4 »
إذن فلابدّ من تأويل ما ورد في الكتاب والسنّة ماظاهره عموم التكفير ، إمّا باختصاصه ببعض الذنوب كالصغائر « 5 » مثلا ، أو بصورة ما إذا حصل من المرتكب ندم على فرط منه ، فإذا قام بحسنة كصلاة وصدقة في سبيل اللّه ، كان ذلك من موجبات قبول توبته ، أمّا وقوع مطلق الحسنات كفّارة لمطلق السيّئات كبيرة وصغيرة ، سواء أندم عليها أم لم يندم ، كان بانيا على تركها أم مصرّا على فعلها فهذا ممّا لا نستطيع الموافقة عليه ، ما دام مذهبنا يرى العدل والحكمة في أفعاله تعالى .
هامش
( 1 ) - الأنعام 160 : 6 .
( 2 ) - المائدة 27 : 5 .
( 3 ) - لاحاه : شتمه وأبغضه .
( 4 ) - وسائل الشيعة ، ج 6 ، ص 327 ؛ ومعاني الأخبار للصدوق ، ص 29 - 30 ؛ والتفسير المنسوب إلى الإمام العسكري ، ص 44 - 46 ؛ والاحتجاج ، ج 2 ، ص 129 - 130 .
( 5 ) - المعبّر عنها - في الآية 32 - النجم - باللمم . وهي الخطايا التي ترتكب عفوا ومن غير قصد إلى العصيان . وهي ذنوب مغفول عنها عند الارتكاب ، ومن ثَمَّ فهي معفوّ عنها عند اللّه إذا ما اجتنب مقارنة الذنوب العظام ولم يصرّ فاعلها ، بل وندم عليها لفوره إذا ماتذكّر ! وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك في « مسألة الحبط والتكفير » المسألة الثالثة ، الهامش الأول .